المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكرياتي في رحاب قاشا


ود مختار
26-05-2012, 07:58 PM
الحلقة الاولى
دعوني يا إخوتي أخذكم إلى هناك إلى جزيرتي الخضراء ( قاشا ) أصعدوا بعون الله إلى درج الطائرة ، وخذوا أماكنكم ، واربطوا الأحزمة ، فالرحلة طويلة ، سنقطع البحار والصحاري والفيافي ، الآن يحدو كل منكم شوق عارم وحنين جارف لمعانقة الأهل والأحباب في ربوع (قاشا ) االخضراء ، هذه الجزيرة التي ترتمي في أحضان النيل العظيم ، هي إحدى منظومة الجزر الوادعة التي تأخذ حذا بعضها البعض على طول امتداد النيل شمال مدينة (دنقلا) في الولاية الشمالية على بعد أربعين كيلومتر ، هذه الجزيرة التي سطرت اسمها بمداد من الذهب على صفحات التاريخ ، وخاضت بطولات تحدث عنها القاصي والداني وسار بها الركبان إبان ثورة النيل في الأعوام 1946 ــ 1988 ــ 1998 حيث سجل أبناؤها ملاحم بطولية نادرة ، فقد سمعت عما يروى عن آبائنا أن أحدهم في فيضان 1946 كان يرتمي بنفسه ويتمدد بقامته على ثغرة جسر التراب فيهيل إخوانه التراب عليه حتى يبلغ مقدار متر أو يزيد ثم يسحبوه بعد أن يطمئنوا بأن الخطر قد زال ، كان مثل هذا يحدث ليلا ونهار تحت أي ظرف من الظروف لا يأخذون حذرهم من هوام الليل والنهار من الأفاعي والعقارب ، كان أحدهم لا يغمض له جفن ولا يهدأ له بال وإخوانه يقاومون النيل بصدورهم العارية ناهيك عن بطولات أهل القرى المجاورة الذين ضربوا أروع الأمثال في المروءة والتعاون حيث وفدوا إليها زرافات ووحدانا من مشو وكرمة وأرقو ومشروع البرقيق كلٌ يحمل معوله وسلاله بل ويقود ثيرانه أمامه ليقدمها راضيا مرضيا لخدمة إخوانه ، أما النساء فقد ضربن أروع الأمثال في التضحية والفداء ، فقد شمرن ساعد الجد فوقفن جنبا إلى جنب مع الرجال وهن يعدن سيرة الصحابيات الجليلات ، كن يقدمن الطعام والشراب في أتون المعركة ، ويشددن من أذر الرجال بالزغاريد وهم يذوبون في الجلالات والمديح الصادر من عمنا عبد المطلب محمد موسى (رحمه الله ) وعبد الجبار حسن وصابر محمد محجوب وغيرهم كثر، كانت المدائح تخرج من أفواه هؤلاء النفر صافية ندية تهتز له الوجدان وتطرب له الأسماع ، كانوا لا يحسون معه بالرهق والتعب كما كان الشيوخ الكبار الذين عركتهم الحياة فتشبعوا بتجاربها يقدمون عصارة تجاربهم المتراكمة في توجيه الشباب ، منهم من جاء يسعى متوكأٍ عل عصاه ومنهم من أقعدته الأعذار ولسان حاله يقول " ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " حتى إخواننا من أهل الجنوب والغرب لم يتوانوا عن المشاركة في الحدث العظيم ، تجد أحدهم يحمل سلال التراب على كتفه أو ينهمك في الحفر أو يمسك يد المحراث ، إنها كانت لوحة رائعة عكست التواد والإخاء في قمة معانيها والبذل والكفاح في أرقى أثوابها لا فرق بين الأمي والمتعلم والصغير والكبير ، وكذا لم يغب دور المسئولين في الدولة أيضا من تقديم المعينات العينية والمعنوية في ترحيل وإيواء الناس وتوزيع الأراضي لهم ولا أنسى أبناء( قاشا ) في الخرطوم ودول الخليج وكافة دول المهجر ، كلٌ كان له دور معلوم ونصيب مفروض تمثل حلقة ترفد تاليها من الحلقات لتكتمل اللوحة وتستبين الصورة في أبهى جمالها .
نعم عشت هذه الملاحم البطولية بكل تفاصيلها الدقيقة وحمدت الله كثيرا بأن جعلني من صلب هؤلاء الأشاوس ومن هذه الجزيرة الخصيبة التي قضيت فيها بيض صباي وزهرة شبابي ، نعم عشت في رحاب هذه الجزيرة وشاركت الناس في أفراحهم وأتراحهم ، كم سبحت في نيلها العذب وكم سرحت بغنمي في أوديتها وكم تسلقت نخيلها الشامخات ، كم شنفت آذاني بسماع القرآن من شيوخ خلاويها ، وكم تلقيت العلم على أيدي معلمين أفذاذ من بنيها ، وكم لهوت مع أقراني وملأنا حواريها وأذقتها صياحا وضجيجا ، أتخيل موطن أنسي ومرتع صباي كأنه شريط سينمائي يمر أمامي بشخوصه من حقول خضراء ، تلونـها عيدان القمح الذهبية ، وهـي تعرض سنابلها فـي سخاء وكرم لتكون مائدة للطير، الدرب فيه ترابي داكن ، كأنه رداء اهل الوقار، تنتشر على جوانبه الاشجار ليأنس بظلالها الداني والغريب ، وتبقى اغصانها مرقصاً للطير، وعصافيرها منبهاً واعدًا لإيقاظ الفلاح .. الناس فيه سواسيه ، اسرة واحدة ، يُعرف فيه الغريب من القريب ، ويعرف الغريب من ملامحه ، فتكون وقع خطاه مدعاة للضيافة والكرم ، يخبأ البسطاء الذرة والقمح والفول والتمر في جوف (القساسيب) ، و(المطامير) ، ينتعلوا الصمت ليسكتوا ضجيج المدن ، يعيش الناس فقراء ولكنهم أغنياء ، أغنياء بعزتهم وكرمهم ، ليسوا تعساء ، ليسوا خائفين، يحرثون الأرض صباحا ، ويروونها بماء النيل المبارك أيامًا وأياما ، يموت الشيخ الكبيرً فيدعون له أعوامًا وأعواما، تصحو الماشية قبل سيدها ، يغادر الناس مسجدهم الصغير قبل أن تشرق الشمس ، ويجتمعون في بيت كبيرهم ليقرروا كيف تبقى قيمهم بعيدة عن فوضى المدن؟ هناك يسكن الطهر وتسكن القناعة ، والجار يأمن جاره والعافية لباس مقدس ، هناك للمصحف في كل يوم أياد تمتد ، يسافر الناس من هناك ليضيعوا بين أرصفة المدن وضجيجها ، ويعودون لينشدوا ضالتهم في بيت الجد الكبير، يبحثوا عن كرسيه ، وعصاه، ومسبحته العتيقة ، يبحثوا الوقار في ملامح وجهه الغائب، والاتكاء على سريره المفروش في واجهة البيت ، يبحثوا عن طعامه الذي لم يبرد يوما ، يبحثوا عن صوته وحنينه وعن كلماته الأخيرة ووصاياه ، لكن شيئًا من ذلك لا يعود ، ربما نجد شجرة زرعها مازالت تقاوم عاديات الأيام بعده سنين عددا ، كنا صغارا نأكل منها وما زلنا وسنظل ، تعلمنا منه الشموخ والكبرياء ، تعلمنا منه أن نأكل بأيدينا ، لا بأيدي غيرنا ، تعلمنا أن الماء جوهر الأشياء ، والتراب بداية الأشياء ونهايتها ، وأن ما نبنيه هو تاريخنا الباقي ، وما نزرعه رائحتنا بعد رحيلنا.


ونواصل

ابوعفان بلال
26-05-2012, 08:16 PM
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ...

اهلا و سهلا بك يا دكتور

سعيدين جدا لانضمامك لهذه الأسرة الكريمة






دمت بحفظ الله ورعايته

لك مني أجمل تحية

ود مختار
26-05-2012, 08:51 PM
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته ...

اهلا و سهلا بك يا دكتور

سعيدين جدا لانضمامك لهذه الأسرة الكريمة






دمت بحفظ الله ورعايته

لك مني أجمل تحية

يا مرحب بالأخ أبو عفان ، أنا أيضا سعيد بأن ألقاك هنا على ضفاف دنقلا ، لقد والله زينت صفحتي وعطرتها بروعة وجودك
دمت بخير أخي أبو عفان

طالبة الهدي
27-05-2012, 11:36 AM
جميل جدا" واصيل اخي ود مختار

واصل


ونحن في انتظارك علي احر من الجمر

ود مختار
27-05-2012, 12:06 PM
جميل جدا" واصيل اخي ود مختار

واصل


ونحن في انتظارك علي احر من الجمر

مرحب حبابك طالبة الهدى ، خليك قريبة ما تبتعدي

ود مختار
27-05-2012, 12:13 PM
الحلقة الثانية
ايها القادمون مـن أوساط المدينة ، ومن ظل العمارات الشاهقة التي طردت الشمس بقاماتها الطويلة .. أيها القادمون من بين الضوضاء ، وصفير السيارات ، تعالَوا إلى أنفاس الجروف ، تعالَوا لتمددوا أ قدامكم وتتنفسوا الصعداء تحت ظلال النخيل ، اطلقوا بصركم لتجمعوا حلل الزروع وتستنشقوا أريجها، أيها القادمون من أوساط المدينة ها أنتم ذا تمضون ما بين الزروع فتشعروا أن خطاكم تحيركم ، في أي اتجاه جميل تسيروا، فتقفوا حيارى مندهشين ، فتنبهكم غريزة التنظيم والترتيب أن تبدأوا الخطى بيمينكم ، وبالأقرب ، فهنا يتبين لكم ساقية تدور بها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، وعلى شمالكم ترعة بمياه زرقاء ، تترقرق مع أشعة الشمس الذهبية ،
وها أنتم ترسلون بصركم لتترقبوا فرحين الفلاحين هنا وهناك ، فهناك رجل منهمك في عمله بجانبه نارٌ تندلع في فتات الأغصان الجافة ، وهناك امرأة تحمل قصعة مغطاة بطبق ذو ألوان زاهية مصنوع من عيدان سبايط النخل ، ربما فيها غذاء لزوجها الذى يعمل مجتهداً في الحقل ، وهناك على حافـة النيل ، شباب جالس يلقي سنانيره يتعقب انتشال السمك في مكر .. وقد يشدكم صوت العصافير وهى تتداعي بترانيمها الأبدي فوق الاغصان ، ويعجبكم نبات (الحلفا (و(الديس) و(البوص) المنتشر في جماعـات على الشاطئ كأنها عائلات تسكن الحواف.. ويدهشكم طيور البجع المهاجر ، ويعجبكم القصب وهو ينتصب بقامته هنا فوق كتل الطمي ، وقـد تثيركم الأسماك وهى تقفز كأنهـا تحتفل بحضوركم ، يدفعكم الفضول بأن تحاكوا فلاحاً لتستمدوا من رجولته وعزته وكرامته ورقته ، وطيبة قلبه ، هذه قاشا توشح صدرها سواقي دائرة ، وحدائق غناء وظلال وارفة ، ومراكب مبحرة تتنامى منها أصوات الطنابير تردد صداها الشطآن الحالمة ، وخمائل مثقلة الأغصان بيانع الثمار اتخذتها الأطيار مسرحا لتراتيلها الأبدي ، ومواكب طيور الكراكي تتهادى في صفحة الماء عند الأصيل والشمس تتوارى خلف النخيل خجلة وقد احمرت وجنتاها وهي ترسل آخر قبلاتها قبل أن تودع النهار ، أتخيل نفسي وأنا صبي غض الإهاب أدير ساقية ترسل أنينها الآسر وأنا أغني لها بعذب الكلام وجميل الألحان وهي تجود بالماء حتى تكاد جداولها تنفجر انفجارا ، وأرى الترابلة وقاماتهم إما منحنية على المعاول وإما منتصبة على المحاريث ، ورب كوكبة من عذارى الحي يردن الماء والجرار على أكتافهن يغمسنها في ماء النيل وهن يرددن القول المأثور عند أهلي ( ووا شيخ منور أن ولقي آر دقدقر أي جنقي بكون ) بمعنى يا شيخ منور، أيها الولي الراقد في وادي الموتى بوقار عند الضفة الأخرى ، احبس تماسيحك ريثما نملأ جرارنا ،تنحدر قطرات الماء على صدورهن في ذلك الصباح الخريفي المتشح بالخضرة والجمال، في ذلك الحين تتجه أفواج العصافير نحو الأفق بعد أن أمضت ليلة هانئة على الأشجارالقائمة على حواف النهر فيما بقيت بضع قماري فوقها ترسل ترانيمها الأبدي كما يمر بجانبهن تلاميذ بيض الثياب وهم في طريقهم لعبور النهر لتلقى العلم في جهة البرقيق.
ما أجملها من رؤى اجتمعت فيها جغرافية وتاريخ المكان ، ما أشد شوقي وحنيني إلى موطن الآباء والأجداد ومرتع الصبا والذكريات إلى حيث الخضرة والبهاء ، إلى قاشا المتشحة بالخضرة والجمال ، النائمة في حضن النيل في دعة ووقار ، الراضعة من ثديه ، تعالوا معي وادخلوها بسلام آمنين ، تجدونها وقد هبت من نومها وابتردت من توها بماء النيل المبارك كعروس فرعونية ، لتستقبل الداخلين إليها بابتسامة وإلفة ، تضمهم إلى صدرها وتطوقهم بذراعيها في حنان وعطف ، وتحنو إليهم كحنو المرضعات على الفطيم ، تنثر حبات الندى في وجوههم وتتلقاهم بوجه مشرق كصباح العيد حتى تمتلئ جوانحهم غبطة وسرورا .
أما أهلها فنعم الأهل والعشيرة يستقبلون الداخل بالبشر والترحاب ، يسألون عن القادم في لهفة لا تحدها حدود وشوق لا يضاهيها شوق ، تضحك له شطآنها ومروجها ويحسب كأن الدنيا بأجمعها فرحة بلقائه ، يجد كل امرأة تنتظر في المرسى كأنها هي أمه ، وكل رجل جاء يسعى كأنه أبوه ، وكل طفل يأتي إليه جذلان فرحا كأنما هو طفله وفلذة كبده ، كانوا إلى وقت قريب يستقبلون أحدا من أينائهم عندما يعود من الغربة بفرح وسرور ويحفونه بموكب مهيب كأنما هو بطل قد عاد متوجا بأكاليل النصر والفخار ، هكذا هم دائما ثابتون على قيمهم كثبات (الدفوفة) لا يتحولون عنها قيد أنملة مهما طالت الأزمان وامتدت بهم الأيام ، تجد بينهم للمعاشرة طعما وللحياة معنًي، أولئك آبائي فجئني بمثلهم ....
ها أنذا أخوتي أحط بكم في رحابها لاستمتع بالحياة في رباها ، أعرف كل أماكن لهوي ، الأزقة والحواري ، النيل والنخيل ، المرعى والسواقي ، في كل فج من فجاجها لي قصص وحكايات ، في كل حلة من حلالها لي مواقف وذكريات ، كيف لا ؟ وهي دوحتي التي تفيأت ظلالها ،وأرضي التي حبوت في ترابها ، وروضتي التي تنسمت عبيرها ، ومهد صباي ومحط شبابي ، أقول لها في ختام حديثي كما قال الشاعر :

ولي وطنٌ آليت ألا أبيعه ـــ ولا أرى غيري له الدهر مالكا
عمرت به شرخ الشباب منعما ــ بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرجال إليهمو ــ مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ــ عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
قد ألفته النفس حتى كأنه ــ لها جسد إن بان غُودِر هالكا
ونواصل .....

ود مختار
29-05-2012, 07:06 PM
الحلقـــــــــــــــة الثالثة
ككانت الجزيرة في ذلك الزمان عامرة بالسواقي حيث كانت تحيط بها كإحاطة السوار بالمعصم ، تسمع أنينها الآسر وتصايح الناس في الحقول وأنت مستلق على ظهرك في فناء المنزل، تستطيع في هذا الحال أن تميز صوت السواقي
وتقول: هذا صوت ساقية عبدون طمبل وذاك صوت ساقية عبدون الملك والصوت الحنين الآتي من أقصى أعماق الجنوب صوت ساقية عبد الله زبير وهذا صوت ساقية (آل حكبة ) وصوت ساقية (آل جواد) وصوت ساقية (آل سكراب) وهم أسر من جهة (مشو) و(كمنية) لهم نصيب معروف في أراضي الجزيرة ،كيف لا أتذكرها ؟! فهي موطن الصبا بجلالها وجمالها، وإشراقها وضيائها، وخضرتها ومائها، ورقة هوائها وزرقة سمائها.
هي صياح الديك وتغريد الطيور ومأمأة الخروف وثغاء العنزة ومواء القطة ونباح الكلب وخوار البقرة وخرير الماء ، وأنين السواقي، ورنة الطنابير وتصايح الناس في الحقول ، تتناغم وتنشد في تناسق وانسجام ، هي رائحة الأعشاب وطلع النخل واريج الليمون وعبير الجروف ، وموكب الأصيل وزحمة خضرة وزفة ألوان ، هي صوت ترتيل الشيخ في السحر، ودقات دلوكة وسيرة في ساعة العصر ، هي حنين الوالدة وعطف الوالد وحب العم والخال وكل البشر ، هي رائحة الخبز البيتي والحليب الصافي، والسمن
هي ركوب الحمير، والسباحة في النهر، والسمر تحت القمر ، هي نفير الحصاد ولعب الشليل ودق الريحة وربط الحريرة وفرحة عمر، هي البكور إلى الطاحونة واحضار حزم الفول الأخضر وحبات اللوبيا ، وجلب الماء من الحنفية والنهر
هي التمسك بالعادات الحميدة التي توارثناها عن آبائنا وأجدادنا من إغاثة الملهوف واحترام الكبير وإعانة الضعيف ورعاية حقوق الجار، وقد أصبحنا نفتقدها في المدينة، لذلك يسميها بعضهم "أخلاق القرية".
ولا يعرف فضل القرية إلا من عاش في المدينة، في بيوت أرضها وسقوفها وجدرانها وقلبها حجر، لا يدخلها النور والدفء إلا بمقدار، ولا يتجدد هواؤها، ولا يستساغ ماؤها ، ولا ترى في كثير من أنحائها شمسها ونجومها وسماؤها.
تعالوا نهرب إلى أحضان قاشا من قيود الحضارة الزائفة، لننعم بالشمس والهواء والليل والنجوم والقمر والحرية، لنجد فيها ملاذا من الصخب والضوضاء والقلق والتلوث. حيث تتجاور فيها المخلوقات دون حواجز، فيعيشون معا في هناء وصفاء جنبا إلى جنب: الناس الحيوانات والطيور والنباتات. عند العشية تلامس وجهك نسمات الليل الباردة التي تهب تارة باردة وأخرى ساخنة وأنت تجتاز الطريق الزراعي الفاصل بين الحقول وقد أخذت الحشرات التي تختبئ في مجاري الماء والشقوق في إرسال موسيقى جماعية ساحرة تطرب لها الأسماع وترقص معها الوجدان، بعضها متقطعة وبعضها الآخر متصلة ، وملايين من القناديل المحملة تتمايل مع هبات النسيم كأنها تتجاوب مع هذه الأنغام ، كان أحدنا يمتلكه الخوف والذعر إذا سمع خشخشة القصب ويذهب بخياله بعيدا إلى تلكم الأسطورة التي تدعي بأن فتاة دميمة الوجه تتخذ الحقول مسكنا لها وتخرج من خلالها من حين لآخر إذا ظهر لها فريسة من بني آدم فتأخذ بأنفه وتظل تمتصها حتى تقضي عليه وهي ما كانت تعرف (ببت أم بعلو) أو ربما يخرج ثعلب يتبختر في الطريق إذا زجرته يقف وينظر إليك بحدة كأنما يتحداك ، إذا اقتربت منه يفر ثم يقف وينظر إليك وهكذا ، أما في ساعات النهار كانت أسراب الطيور تتخذ تلك الحقول مسرحا ومقيلا وقد نصب في بعض الحقول ما يعرف( بالهيلو) وهو عبارة عن أربع خشبات تغرز في أركان الحقل مشدود عليها حبال معلقة عليها علب وصفائح فارغة وقد جلس رجل فوق راكوبة عند منتصف الحقل ممسكا بتلك الحبال ويشدها من حين لآخر كلما تجمعت العصافير والقماري في مكان ما وعند سماع ضجيج الأواني الفارغة بفعل الشد تفر مذعورة ، أو أحيانا ترى بعض الشباب وقد عمد إلى فتل طرف حبل غليظ ووصله بحبل آخر رقيق مصنوع من ليف النخل ويجعل في آخره مكانا لوضع الحجر ثم يدير ذلك الحبل عدة دورات سريعة وبطريقة فنية بارعة يجعل الحجر ينطلق إلى أبعد مدى ممكن يعقبه دوي رهيب تهتز له أركان الحقل وتفر الطيور هاربة بطريقة فوضوية ، هكذا كان المزارعون يقضون نهارهم في طرد الطيور والعمل الدائب ثم يعودون مع مغيب الشمس حاملين معهم سعن اللبن الملء باللبن الطازج أو حزمة من القش الأخضر بعد أن يتركوا الساقية للصمد معه بعض الترابلة
في ليلة باردة من ليالي الشتاء في منتصف الخمسينات من القرن الماضي مر على منزلنا يوم غير عادي وحدث انتظرته الأسرة منذ وقت طويل، وهو قدوم مولود جديد تحتفي به الأسرة ، ما أجمل وأروع عند أهلنا الغبش أن يفرح رب الأسرة بقدوم مولود في البيت وآخر في المراح من احدي بقراته في وقت واحد،عندئذ تتضاعف الفرحة والسرور
، جاء أبى بعد أن فرغ من قضاء فترة الميزان في الساقية ، والميزان يا أخوتي هو أن يسوق الصمد الساقية من وقت المغيب إلى الهزيع الأخير من الليل إلى أن يأتي أحد الترابلة ويأخذ منه فترة الفجراوي حيث تبدأ هي الأخرى من بعد صلاة الصبح إلى حين قدوم (الأورتي) صبي الساقية مع بزوغ الشمس ، هكذا كان( الترابلة ) يقسمون أوقاتهم في قيادة الساقية وهو ما يعرف اليوم (بالوردية ) في مفهومنا العصري .
جاء أبى ووجد البيت يعج بالنساء عن أخره ،جئن ومعهن صوان شاي الصباح بعضهن وفدن من الحلال القريبة ليتبادلن عبارات الحمد والسلامة والتهنئة بالمولود الجديد ، كان من بين الحضور جدتي زينب النور (رحمها الله) وهى في نحو السبعين من عمرها قد جاءت من أقاصي الجزيرة (الساب) قبل يومين ومعها خالي يعينها على حمل زكائب التمر والدقيق وقناني السمن ، لزوم النفاس ، خرجت من جوف البيت الشيخه سلية كرش اى (صليحه) وهى امرأة طاعنة في السن و مع هذا تتسم بالخفة والنشاط وبذاكرة حديدية وهي بقية آثار الشباب التي توشحت بها في مراحل شبابها ، امرأة ذات شخصية قوية ، تجد من الناس الاحترام والتقدير ، كانت القابلة المعروفة آنذاك ، بجانب مهنتها كانت تداوى المرضى وتختن البنات يقصدها كثير من الناس ، خرجت بعد أداء مهمتها لتبارك والدي وهى تتمتم ببعض الدعوات للمولود الجديد ،ظلت وفود المهنئين تترى من كل حدب وصوب، عاد بعض الرجال الذين قضوا يومهم يعملون في الحقول المجاورة مناجلهم في أيديهم وبعض ذرات العشب تعلو رؤوسهم ، جاءوا لأداء واجب التهنئة بالمولود وهم على عجلة من أمرهم، حلف عليهم أبى بأغلظ الإيمان أن يمكثوا لحين إعداد الفطور بينما انهمك ثلة من شباب الحي في ذبح شاة احضروها للتو من الزريبة المجاورة للبيت ، تناول الناس الطعام في عجل وانفضوا إلى أعمالهم كان هذا حادث ميلادي كما رواه لي أبى (رحمه الله)
ونواصل.....

ود مختار
30-05-2012, 05:31 PM
الحلقة الرابعة
تفتحت عيناي أول ما تفتحت على معالم حلتنا وهي حلة بسيطة، بيوتها غير مرتبة بنيت كما شاءت لها الأقدار، أزقتها متعرجة ومتداخلة بطريقة يصعب الإنسان أن يصل لنهايتها بطريقة مستقيمة ، أحيانا يفضي بك إلى فناء منزل دون أن تشعر ، كما أن بعض بيوتها ليست لها أبواب وبعضها الآخر خالٍ من سور الواجهة ، ربما تركوها هكذا حتى لا يدعوا الضيف أن يطرقها فأشرعتها مفتوحة للزائرين في أي وقت ، هذا ديدن جميع أهلي ، أما منزلنا فانه منزل متواضع مبنى من الطين كسائر منازل القرية ، سقفه من جذوع النخيل وخشب السنط وجريد النخل، بارد في الصيف ، دافئ في الشتاء ، إذا نظرت إليه من الخارج تحسبة بناءا هشا لا يقوى على زمهرير رياح أمشير وهدير عواصف الخريف العاتية ، يبدأ( بالديوكا) المطبخ يليه (الاسمون كا) مجلس النساء ثم حجرة أخرى في آخر الصف تسمى بيت الحريم ويطلق عليها أحيانا ب ( آرن كا ) يخزن فيها بعض أمتعة البيت ، يتدلى من سقفها خشبتان متعارضتان مربوط عليهما صف من الحمالات مخروطية الشكل تحمل مجموعة من الأقداح العتيقة المصنوعة من شجر الحراز ومجموعة أخرى من صحون النحاس تسمى ( السلم ) بكسر السين وفتح اللام وهى من بقايا التراث تركت في مكانها لعظمة قيمتها ومكانتها التاريخية ، في إحدى الزوايا يقبع شيء يشبه (القسيبة) إلى حد ما ولكنه اصغر حجما يطلق عليه (الكابو) تضع أمي في داخله أغراضها ، الفروة ، شرائح البروش الملفوفة التي لم تكتمل (لفات الأوجة) بفتح الهمزة والواو وتشديد العين وصواني وصحانة وأطباق الكسرة الكبيرة (كونتى)
أما في الأرض على جانبي الجدار فقد رصت مجموعة من (الساوات) مفردها (ساو) وهى اكبر من الزير قليلا يخزن في بعضها التمر وفى بعضها الآخر الحبوب والبقوليات، ربما يقع نظرك على أبريق نحاسي مصنوع في مصر أو صينية نحاس يفتخر أبى بهما ويذكر قصة شرائهما من باب الخلق في إحدى سفرياته في مصر لزيارة ولده هناك. كثيرا ما كنت أتسلل إلى هذه الحجرة لسرقة التمر أو اعبث بمحتوياتها ثم تطورت هذه العادة في أوقات لاحقة إلى سرقة الأقداح وأواني السلم لأصنع منها الطنابير وبيعها بأبخس ألاثمان، ضاقت أمي ذرعا بذلك ولم تكف عن الشتائم واللعنات لأني اعتديت على مقتنياتها التي احتفظت بها كجزء من التراث أو لعلها كانت تعتقد بأنها مباركة تجلب الخير للبيت.
تعالى معي إلى الحجرات الأخرى التي تمتد إلى الاتجاه الشرقي كانت هي الجزء الخاص بالرجال ، أولها كانت لقيلولة رب المنزل والأخرى للضيوف يتدلى من سقفها خشبة معترضة كتلك التي في بيت الحريم تسمى (الواوور) ولكنها خاليه من الحمالات يوضع عليها الثياب ، توزعت في أنحائها عناقريب إما عليها بروش مزخرفة أو مفارش من الدمورية ، أحيانا تجد بين الثياب قفاطين وجلاليب صعيدية مخططة يتحدث عنها والدي بنوع من الزهو كأنها غنمها في معركة حامية في زمن سحيق.
واجهة منزلنا تفتح على ناحية الجنوب حيث واجهات معظم منازل الجزيرة تفتح أما إلى الشرق أو الجنوب إلا عدد على أصابع اليد تفتح أما إلى الشمال أو الغرب وكانوا يضطرون إلى ذلك اضطرارا ، كانوا يتشاءمون من هذين الاتجاهين أو قل لعلهم تأثروا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.أما بابها الخارجي فهو باب ضخم عتيق من خشب السنط ، لاشك انه استوعب شجرة كاملة ، صنعة عمنا فقير بصير (رحمه الله ) مهندس القرية الذي لم يتعلم النجارة في مدرسة ، كما كان يصنع عجلات السواقي وحلقاتها هو وابن عمه سيد بصير(رحمه الله) كان بجانب هذه المهنة يجيد ختان الأطفال ويجبر العظام ، كان ساخرا ذا بديهة لا يتوانى عند الطلب كانما خلق ليسعد الآخرين،
ترى في فناء المنزل تمر معبأ في جوالات الخيش ، لم تفرغ بعد في القساسيب ، وبعضه نشر في فناء المنزل ليأخذ حظه من الشمس ، وفي أحد الأركان تسمع صوت عنزة تنادي صغيرها التي لا تكف عن الخروج ، على محاذاة الجدار تقف صف من (القساسيب ) تأخذ حذا بعضها البعض بشكل تدرجي ، الأكبر ثم الصغير ثم الأصغر ويختم بمجموعة من( الساوات)
هذه الداريسري عليها ما يسري على الحقل ، إن اخضرت تخضر وإن أصابها القحط تصيبها أيضا ، أصحو عند الصباح ، اسمع أصوات الناس والطيور والحيوانات تتناهى إلى سمعي فأحس بالطمأنينة والراحة ، أنين السواقي المنتظمة تقوى الإحساس بالانتماء، شجرة النخل الضاربة جذورها في فناء المنزل توحي بأننا ما زلنا ثابتون لم تغيرنا عاديات الزمن وتقلباته، تحط في أعاليها منذ عشرات السنين القماري في ساعات الصباح والمساء ، ترسل نغماتها الشجية ، أتخيلها تقول : مهمد الهسن .. مهمد الهسن .. مهمد الهسن وخاصة ( الكرو قيل ) أما (القوكا ) يجاوبه من النخلة الأخرى بصوته الجهوري مختاااار مصفقا جناحيه ، يتربص عند أعلى نخلة صقر ينتظر دجاجة تخرج بصغارها تنقض على صغارها ويخطف في لمح البصر واحدة منها وهى تصرخ حيث لا تنفع الصراخ ، تطير الأم وراء الصقر محاولة تخليص صغيرها ولكن جناحاها لا تسعفانها تعود وترى أولادها وقد تكوموا فى ركن قصي ، اسمع صوت شيء يقع في الجوار، انه أخي الأكبر بلال مختار يرمى بحزمة من القش وينفض كتفيه وهو يقول: بان( النجام) قد بدا في ساقية سوارن مار وقد سمح عمنا (حمد عبدون حمد) رحمه الله للناس بتنظيف الزرع ، يكفى هذا الرأس للبهائم يومين آخرين، ينثر القش فى جوف الزرية بالتساوىء لمجموعة من العنزات والنعاج ، هناك عنزة كبيرة أخذناها بالنص من عمتنا (هلينة ) رحمه الله كنا نسميها ( هلينجية) لا تكف عن ضرب أخواتها ، ترتفع عاليا ثم تهوى بقرونها الى المسكينة محدثة صوتا مبهما ما بين صوت التيس والعنزة يفعل ذلك كأنما هذا القش قد احضر لوحدها .
اقضى اليوم كله داخل المنزل وجواره إلى أن تتوارى الشمس خلف سحابة داكنة في الأفق الغربي مخلفة هالة من الشفق الأحمر.
ونواصل ...

ود مختار
01-06-2012, 06:42 PM
ا الحلقة الخامسة
يتلاشى ضوء النهار رويدا رويدا وتتلاشى معها أصوات العصافير التي كانت تملا البيت قبل قليل، تسمع بين الفينة والأخرى تغريد عصفورة عنيدة تأبى أن تنوم ، يعود أبى مجهدا بعد قضاء يوم مضن في الحقل ، يهتف لأخي الأكبر عبد الهادي بان يأتي ويأخذ منه سعن اللبن قبل أن يربط حماره في جزع نخلة قريبة ، أمي تسعى نحو السور الشرقي للحوش لعلها تريد إمساك دجاجات رصت فوقه لإدخالها في القفص خوفا من أن يباغتها ثعلب متربص ، ولكن تنفلت منها واحدة ، لابد إنها ( الأب رقيبة ) تنطلق هاربة في الأزقة المظلمة محدثة ضوضاءا، تطاردها وهى تلعنها وهى تقول : ليتني ذبحتك في ليلة عشاء الميتين ،ليتني ذبحتك في ليلة عشاء الميتين ، أخيرا يتم حشرها في احد الأركان وتستسلم ،
العناقريب رصت وسط الحوش وعليها بروش بيضاء ، السماء صافية تتلألا في صفحتها النجوم ، أبى يعرف موقع كل نجمة واسمها وزمان ظهورها كسائر رجال أهل القرية حيث إن لها علاقة بزمان نزول المطر وفيضان النيل ، نعم يعرفون بواسطتها متى تبدأ زراعة القمح ؟ ومتى تبدأ زراعة الذرة ؟ كما يعرفون أكثر شهور الشتاء برودة ، الطوبة والكيهك والامشير ، أسأله عن اسم كل نجمة وأنا مسند راسي فوق ذراعة اليمنى ، يشير بإصبعه نحو الأفق الغربي ويقول : ذلك النجم الكبير إنها نجمة الضيف ، وهذه الثلاث نجمات هن ما يعرفن بالعصي ، ويشير إلى مجموعة صغيرة مجتمعة ويقول ، إنها الثريا وذاك العقرب والسهيل و.. و.. ، في هذه الأثناء يرتفع صوت آذان العشاء من الزاوية المجاورة ، ينهض من مضجعه ، يتوضأ ثم ينطلق إلى الزاوية ، لا باس من أن يمكث هناك قليلا حيث يتجاذب الرجال أطراف الحديث عن همومهم واغلبها تدور حول الزراعة والبهائم وندرة القش ونحوها بعدها يتفرقون ، كل إلى داره .
جهزت أمي وجبة العشاء وأحضرته إلى فناء المنزل ريثما يأتي أبى من مصلاه ، جاء أبى وجئت وجاء إخواني ، اجتمع أفراد الأسرة كلهم وتحلقوا حول الطعام ،جاء كلب من الجوار بعد أن شم رائحة الطعام وربض بالقرب من باب الحوش مادا ذراعيه إلى الأمام في انتظار أن يجود عليه احد بلقمة ،يأخذ نصيبه ويمضى ، وهكذا يتكرر الموقف ألاف المرات منذ أن خلق الله الخليقة .
بينا نحن كذلك ينطلق طائر البوم من البيوت القديمة والأماكن المهجورة ويمر فوقنا مطلقا صرخة قوية ومخيفة ترد عليه أمي قائلة : ( إن شاء تنوح نفسك ) ويطلق أخرى في مكان آخر ويردون عليه بنفس العبارة ،كانوا يتشاءمون من صوته المنكر ويحسبونه نذير شؤم كما كانوا يعتقدون بان صوته المفزع ربما إيذان برحيل احد أفراد الأسرة .
كانت هناك طيور أخرى تشاركه ولكنها اقل درجة في كراهة الناس لها وهى طيور الوطواط ، كانت تخرج عند العشية محدثة أصوات خافتة ، تحوم فوق الحيشان والفضاءات طولا وعرضا ، كنت أرى بعض الصبية يحملون عيدان طويلة يلوحونها يمنة ويسرة في وسط الحلقة التي تدور فيها فتصطدم بها وتقع .
ونواصل ...

ود مختار
01-06-2012, 06:45 PM
الحلقة السادسة
بعد العشاء يشرع أبى في سرد قصص أبو زيد الهلالي وفاطمة السمحة وغيرها ونستمع إليه بشغف شديد حتى يغالبنا النوم ، بعده تغض الأسرة في سبات عميق بل ومعها القرية بأكملها حيث لا تسمع صوتا ولا ركزا إلا من خوار ثور يأتي من ناحية المزارع أو عواء ثعلب متربص بأطراف الحلة ، أو صراخ طفل يأبى أن ينوم ، إلى أن يرتفع آذان الصبح ، يستيقظ أبى كعادته وهو يتمتم ببعض الأوراد ويوقظ أهل الدار للصلاة ، ينطلق إلى الزاوية ، أحس بحركة بركن البيت ، إنها أمي تحلب العنزة لتعد شاي الصباح .
أيقظني صوت اللبن المندفع بقوة إلى جوف الإناء ، الله الله ، ما أعذب هذا الصوت وما أحلاه ! يعود أبى ، ومرة أخرى تتحلق الأسرة حول مائدة الشاي فيما يشرع أبى في تقويم منجله بمبرد قديم لحين تجهيز أمي الشاي ، وهو في عجلة من أمره ليلحق نفير حصاد القمح في ( قرافنارتى ) بصحبة أعمامنا محمد عثمان ( مينكه ) وعثمان نورى ومحمد احمد ( احمنتود ) ونصر عثمان ( رحمه الله ) ومحمد احمد ( دونتود ) تتحرك قافلة الحمير بخطى سريعة وثابتة حتى يختفي القوم عن الأنظار .
تناغم خالتنا زهرة حاج أمي من وراء السور الفاصل تقول كعادتها كل صباح ( سرن بيكمندو ) يعنى أصبحت طيبين وتخبرها بان هناك عرس في أقاصي جنوب الجزيرة ، تضربا موعدا لذلك ، يأتي صوت آخر من جهة باب الحوش ، أنها عمتي آمنة زبير( رحمها الله ) جاءت تصبح ثم تبعتها بعض نساء الحى والصفائح بأيديهن يقصدن اخذ الماء من الحنفية للأزيار ، يثرثرن في مواضيع شتى ويخططن لأمور خاصة بهن كجمع الواجب وحمله إلى إحدى بيوت العزاء ، تجلس عمتي عائشة نورى ومعها حجة مسكة تحت نخلة كنا نطق عليها( شيمة ) عند منتصف النهار ومعهما طبق كبير مصنوع من عيدان سبائط النخل والسعف يطلق عليه ( الكونتى ) جاءت نساء الحي ووضعن ما عليهن من حصة الواجب من سكر وحبوب ونحوها حتى امتلأ (الكونتى) عن آخره ، حمله أكبرهن سنا وانطلقن نحو بيت العزاء في موكب مهيب .
تغادر أسراب العصافير شجرة النيم الكبيرة متجهة صوب الحقول زرا فاتا ووحدانا ، تحوم فوقها ثم تحط لتعانق القناديل بمناقيرها ، أما القمارى فكانت تتجه ناحية البرقيق حيث الحواشات ، تقضى سحابة يومها هناك ومع مغيب الشمس تعود إلى أوكارها ، ترتفع قرص الشمس رويدا رويدا في الأفق الشرقي ، تنبسط أشعة الشمس الذهبية على الحقول ويضطرب الناس في أعمالهم وتدب الحياة في القرية من جديد ،هكذا تتناغم وتيرة الحياة وأنا اكبر يوما بعد يوم أدور في فلكها وأتجاوب معها في دورانها السرمدي .

ونواصل ...

ود مختار
08-06-2012, 11:03 AM
الحلقة السابعة
في يوم قائظ من أيام شهر يونيو في منتصف الستينات من القرن الماضي كان يوما مشهودا حيث هبطت على الناس موجة من الحر الشديد ، كنت مستلقيا في ظل احد الجدران متوسدا حزمة من القش الأخضر والناس يوم ذاك يتذمرون من شدة الحر، بعضهم قد وضع ثيابه وظل بالسروال ،بعضهم نزل إلى النهر ليبترد ، وطائفة أخرى أخرجهم الحر من منازلهم وجعلوا يلتمسون ظل النخيل المحيطة بالقرية ، العرق يتصبب من الأجسام والناس كأنهم في عر صات القيامة ،الشمس تلهب الأرض بسياطها فتحيلها جحيما لا يطاق كأن بينها وبين أهل الأرض ثارا قديما ، هناك كلب يلهث تحت الأزيار حوله بضع دجاجات وديك مزعج يصيح من وقت لآخر كأنه يستغيث ، تهبط عصافير صغيرة من الشجرة المجاورة على فوهة الحنفية لعلها تجد ماءا تطفي به العطش ، كل ما حولي يوحى بالسخونة ، الأرض ، الحيطان ،السرائر ، الفرش ، حتى الظل فهو الآخر لا ظليل ولا يغنى من اللهب .
بينا أنا كذلك إذ سمعت رغاء بعير معها جلبة وتصايح أطفال في الخارج ، نهضت دفعة واحدة كأنما صعقتني كهرباء ، انطلقت مسرعا نحو الباب لاستطلع الأمر، وجدت عمى حسب الجابو أمام واجهة البيت يحث البعير على الإناخة وهو يشد الذمام إلى الأسفل ومعه يرغى البعير وينزل على دفعات من الأمام والخلف حتى استقر على الأرض تماما ، جاء في حماة القيظ ليسلم أبى ( رحمه الله ) محصول القمح ويأخذ أجره ، أهل بلدنا لا يبالون بمواقيت الزيارة يدخلون عليك في اى وقت ظهرا كان أو عصرا ، لا يهمهم أن يقدموا المعاذير، خرج إليه أبى ورحب به وألح عليه أن يدخل ولكنه رفض واكتفى بكوب ماء معللا ذلك بأنه مرتبط بموعد آخر فالناس ينتظرونه في القيساب (مكان جمع المحصول) عاد يسوق جماله يزفه ثلة من أطفال القرية يسعون عن يمينه وشماله وهم يقولون : هج يا جملك هج عطاية الله ،هج يا جملك هج عطاية الله ....إلى أن تواروا جميعا خلف شجيرات عشر كثيف واختفى أصواتهم تدريجيا .
موسم المحصول لا باس به هذا العام خاصة أن الأسرة تنتظر إحداثا سعيدة ، ستقام مراسم ختاني ، ستأتي أختي الصغيرة سميرة (رحمه الله) إلى مسرح الحياة بعد بضعة اشهر ، بعد أيام سيتحول منزلنا إلى خلية نحل مثلها مثل معظم الأسر التي ترتبط مناسباتها بنهاية الموسم ، في المساء تهيا أبى للذهاب إلى الشيخ (حاج كلى خطيب القرية أو الشيخ( فقيرتود) ليحدد له أحدهما اليوم المناسب ، كان أهل القرية لا يقطعون أمرا ذا بال إلا بمشورتهما لمكانتها الروحية وتوقير الناس لهما لما كانا يتمتعان به من تقوى وصلاح (رحمها الله ) عاد بعد أن أدى صلاة العشاء وقد حدد له يوم الخميس ، أرسلت أمي رسل النساء إلى أنحاء الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها تخبرن الناس بيوم المناسبة ونوعه كانوا يسمون من تتولى مثل هذا العمل (بالاقجر) كما كان رجلان يطوفان على المزارعين في الحقول لتبليغهم الدعوة ،الدار تعيش بوادر الفرح وينتظم فيها العمل الدءوب وتحدث حركة غير عادية ، نساء يحضرن كل يوم من الحي والأحياء المجاورة وينهمكن في العمل ، منهن مجموعة تنظف القمح من الشوائب وتغسله وتنشره في الشمس ليجف ، مجموعة تنزل لفات البروش الكبيرة (السرنبد) المتدلية على السقف ، تفردها على الأرض وتنظفها من الغبار ومجموعة ثالثة تخيط بروش جديدة وتصبغها بألوان زاهية ، كن يجدن هذا العمل اعرف منهن أختي جارة شرف الدين وخالتي ستنا عرمان واخواتى فاطمة احميدى واختها عائشه وبنات عمى عثمان نورى الكبريات وفاطمة حمد عبدون حمد(فاطمة سعيده) وفاطمة عبد الرحيم كانت الاخيرتان ومعهما بنات عمى عثمان نورى يشكلن مجموعة رائعة لا يفارقن بعضهن ، كانت النساء يؤدين هذا العمل بهمة ونشاط وهن يرفعن أصواتهن بمديح الرسول صلى عليه وسلم ، يقلن بصوت شجي : صلى عليك سلام عليك ، حاج حجاجي سلام عليك ويمدحن حاجى جبلو حاج حجاجي جبلو ونحوها من مدائح ذاك الزمان الجميل، نادرا ما كن يغنين حيث كان المديح طاغيا.
تمتد الحركة أيضا إلى خارج الدار فهناك عقد شباب الحي والأحياء المجاورة اجتماعا معي وتشاوروا حول تحديد يوم استعراض سباق الحمير أو استعراض موكب العريس ، سمه ما شئت أن تسمى ، قد حددوا بعض الحمير القوية السريعة بعينها لاعتلى ظهر إحداهما يوم الموعد ، كذلك تشاوروا في أن يذهب واحد منهم إلى احد وجهاء البلد مثل الشيخ ارصد محمد بشير(رحمه الله ) أو عبد الطيف محمد على(رحمه الله ) أو احمد سيد احمد (أمد الله في عمره ) وذلك عبر أبنائهم ليستأذنوه في أن يعطيهم سرجه ومعه الفروة لأداء هذه المهمة .
يوشك أن يأتي يوم الخميس وما هو إلا يوم واحد يفصل بينه وبين مراسم الختان ، ألا وهو يوم الأربعاء ، نعم يوم الأربعاء وما أدراك ما يوم الأربعاء ، يوم ينتظرونه الناس بفارق الصبر فكأنما هو عيد للقرية ، تنكب القرية كلها منذ الصباح على الشاطيء في هذا اليوم ، يأتون إلى المرسى من كل الاتجاهات بعضهم على ظهور الحمير وبعضهم راجلين والنساء على رؤوسهن القفا ف ، ربما يقع نظرك على رجل يسوق ثورا له ليبيعه في السوق وآخر يدفع أمامه عنزة أو نعجة ، يتكاثف العدد في المرسى ، بمجرد وصول المركب يهرعون نحوه مع جلبة وضوضاء قد تجد رجلين أو ثلاثة في خضم هذا الضوضاء يدفعان حمارا لهما ويسعيان جاهديهن في إدخاله على المركب ، بعض القفاف تقع من على الرؤوس و.. و.. تنطلق المراكب جيئة وذهابا فاردة أشرعتها كالحمام يقف على قيادتها ربان مهرة مثل (سلمان تود) رحمه الله وابنه جمعة سموك (أمد الله في عمره ) وتوفيق سيد أحمد (رحمه الله ) وعوض بدري ونصر فروش وغيرهم ، تفرغ المراكب حمولتها ويخرجون إلى الشاطيء الآخر، ما أن يصعدوا قوز الرمال حتى يقع نظرهم من بعيد على مبان صفراء جميله متناثرة كأنها سفن ضخمة راسية في عرض البحر، إنها مبان مستشفى البرقيق حولها من الناحية الشمالية غبار كثيف تخيم على الأفق تسمع أصوات حيوانات وصياح باعة وأزيز مكنات السيارات تأتى من جهتها ، وترى جمع غفير من الناس يموج فى بعضهم ، هذا هو سوق البرقيق أو (كمبوالسوق) كما يحلو للبعض ، يتلقى بعض تجار ارقو (الفلاليح) القادمين من الجزيرة ويحاول الظفر بشراء ما يحملون من غلات قبل أن تبلغ السوق ، يحلف عليهم ويغريهم بان سعره الذي سيدفعه أكثر من سعر السوق ، يتشبث بقفاف النساء ، بعضهن ترضخ لمساومته وبعضهن تمضى نحو السوق لا تلوى على احد .
كثيرا ما كانت تأخذ أمي قيراطا أو قيراطين من الفول المصري الممتاز أو قيراطين من القمح أو التمر وبضع دجاجات وزجاجتين او ثلاثة من السمن البلدي ، ما أن تصل السوق حتى يتلقفها الناس خاصة موظفو المستشفى وبعض النساء الميسورات اللائي كن يأتين من جهة ارض المحس ، كان أهل القرية يقضون سحابة يومهم في السوق ، يبيعون ويشترون ، وبعد أن ينفض سامر السوق ، يعرجون في طريق العودة إلى منازل الأهل القاطنين حول السوق لزيارتهم ، وهم أعمامي محمد عبد السلام (رحمة الله عليه) وعثمان ميرغنى عبد السلام وعبد الوهاب عثمان(رحمة الله عليه) والحاجة جارة عبدا لله وزبير عبدا لله وإبراهيم عبدون (رحمة الله عليه) والشيخ محمد حاج (بيوضي ) والحاج محمد عبد الله نوري وغيرهم ، بعد ذلك يعودون إلى منازلهم محملين بأكياس الموز والبرتقال والبطيخ والعيش البلدي والزلابية التي كانت تأتى بها نساء من كرمة البلد وكأنى أرى مكانهن في الجهة الشمالية من السوق .
سوق هذا الأسبوع سوق مميز لامي حيث أنها ستشترى لي جلبابا من الدبلان أو البوبلين وستشترى الحناء والضريرة والحريرة والمحلب والأرياح والبخور والزيت وسوف لن تنسى جوز من جزمة (باتا ) أو (شدة ) وخضارا وغيرها لزوم العرس ومن قبل قد أخذت مقاساتي من أعمامي مصطفى احمد بدري وعباس سوار (رحمهما الله) الترزيان المشهوران في القرية ، في مساء نفس اليوم تدب حركة غير عاديه داخل البيت وما حوله إلى وقت متأخر من الليل ، ماذا يحدث ؟ فتيات الحي والأحياء الأخرى يجلبن صاجات العواسه من بعد صلاة العشاء يضعنها على حجار في شكل صف على محاذاة الجدار يشرعن في عواسة طرقات القمح ذات النكهة المميزة المخلوط فى عجينه دقيق الذرة الشامية فيما تشرع مجموعة في مليء الازيار الى وقت قريب من الصباح ،
عند انبلاج الصبح يحمد القوم السري وذلك صباح آخر حافل مليء بالألق والجمال ، أترككم هنا إلى بزوغ شمس يوم الفرح الكبير

ونواصل....

ود مختار
13-06-2012, 04:53 PM
الحلقة الثامنة
جاءت فتيات الحي والأحياء المجاورة بعد صلاة العشاء وشرعن في عواسة فطائر القمح ذات النكهة المميزة ، بعضهن يملان الازيار ، يقضين الليل جله في العمل بينما الشباب يتسامرون على الرمال في الجوار يترقب كل منهم أن يحظى بسلام أو نظرة واحدة من حبيب القلب وربة الصون والعفاف وبذا يكون قد قضى ليلة ليلاء لا تتكرر إلا في أوقات متباعدة .
في ذلك الزمان الجميل كانت الفتيات لا تخرجن إلا تحت جنح الليل وذلك للمشاركة في المناسبات ، أما في ساعات النهار كن يقرن في البيوت يساعدن أمهاتهن في شئون المنزل ، كن يتدثرن ثوب العفاف ويتحلين بالحياء ولا يظهرن للرجال أبدا بل حتى النساء إذا رأين الرجال مجتمعين لا يمرن بمجلس الرجال ، كن يسلكن طريقا آخر ، ومازلن يتحلين بهذه الصفات إلى يومنا هذا ولكن تلك الصفات الجميلة آخذت تندثر تحت ضربات موجات العولمة والفضائيات اللعينة التي غزت المجتمع وأفسدت كل ما هو جميل ،
جاء عمى عثمان نورى (جزار القرية ) بعد صلاة الفجر يتأبط سكينه وأمر الشباب الذين قضوا ليلتهم تلك بان يحلوا وثاق عجل احضر منذ الليل تمهيدا لذبحه ، ربطوا الحبل على أرجله والقوه على الأرض ، اعتلاه واضعا رجله اليمنى على رقبته ، شرع في الذبح ، هتف احد الشباب لصبى بان يأتي بصواني وطست ، بدأوا في تقطيع اللحم وتكسير العظام وتنظيف الأحشاء وغيرها من العمليات التي تتبع الذبح .
أتت مع بزوغ الشمس نساء القرية ، شرعن في إعداد وجبة الفطور والغداء معا ، دائما ما كانت تتولى أمر الطباخة امهر نساء القرية الخبيرات في فنون الطبخ ، كان الطبخ السائد آنذاك الفاصوليا بالدمعة والويكه على السليكه ( ليس على السليقة ) يساعدنها بقية النساء في تنظيف الاوانى وتقطيع اللحم ونحو ذلك ، كان الأكل طاعما ودسما ذو نكهة لا توصف ، أتذكر في مرات كثيرة كانت أمي تأتى إلينا بهذا الطبخ الطيب في ( كوره اسكول ) وهى كورية لها قاعدة مطبوع على جوانبها زهرات حمر أو خضر مكتوب عليها رمضان كريم داخلها قطعات اللحم المشوية ملفوفة بطرائق القمح كنا نسميها ( بلن كان كل ) يعنى طعام بيت العرس . أخذت
وفود النساء تحتشد ، جئن من جنوب الجزيرة وشمالها ، امتلأ البيت عن آخره ، بين الفينة والأخرى تنطلق الزغاريد تجاوبها أصوات الرجال الذين جاءوا لحث النساء على تجهيز صواني الفطور، أقبلت ثلة من النساء وهن يحملن أطباقا مملوءة بالسكر والزيت وتضطرب في جوفها بضع دجاجات ، ما أن يصلن وآلا تزداد الزغاريد ، أني اعرف بعضا منهن ، تلك خالتي ست النسا (رحمها الله ) وتلك خالتي ملكة الزين(رحمها الله ) وخالاتي الأخريات عشورة وعائشة وقاشا وحرم وشهاوة وحسيبة والقائمة تطول ، جاء على إثرهن رجال بيض الثياب على أجمل هيئه ، اعرف منهم خالي محمد عبد الرحمن صالح ( رحمه الله ) اعرف منهم خالي الحاج طاهر عثمان( رحمه الله ) والحاج صالح حماد (رحمه الله ) وغيرهم كثر، استقبلهم أبى ( رحمه الله ) ورحب بهم أحسن ترحيب .
في غمرة هذه الأحداث رأيت عثمان عبد الرحيم عثمان يتصدر طاولة في إحدى الغرف المجاورة ، القلم في يده وإمامه كراسة وتجلس أمي بالقرب منه على برش وهو منهمك في تسجيل أسماء في الكشف ويأخذ المبالغ ( عشر قروش ــــ خمس قروش ) مشاركات النساء ويضعها في علبة أنيقة دائرية الشكل موضوعة بجانبه ، ولا باس من أن يكتب بخطه الجميل على ظهر كراسة الكشف هذه العبارة ( هذا كشف ختان الابن محمد الحسن مختار بتاريخ ــــــــــــ الموافق ـــــــــ ) كان معظم شباب الحي المتعلمين أمثال عطا على محمد خير ، بلال مختار ، عبد الوهاب محمد خير ، عبد الله على نصر ( رحمه الله ) يتطوعون لمثل هذا العمل بين توقير واحترام الناس لهم حيث كان الناس يلجأون إليهم عندما يهمون لكتابة رسائل إلى ذوبهم في الخرطوم وغيرها من المدن وبعد أن هاجروا القرية توارثناها نحن الجيل التالي شخصي الضعيف وأخي عبد الهادي مختار وعبد القادر على محمد وجبريل عبد اللطيف وإسماعيل محمد عثمان وعبد العظيم وعبد المتعال نصر ومحمد صالح عبد الرحمن وغيرهم من شباب الحي هذه المهمة وسلمناها لآخرين من بعدنا ، آه من تلك الأيام الجميلة .
ألا ليت الشباب يعود يوما ــــــــ فاخبره بما فعل المشيب
هناك في خارج البيت حركة ونشاط ، رجال يدخلون وآخرون يخرجون وعلى أكتافهم صواني وجبة الفطور مليئة بما لذ وطاب من الطعام ، يحملونها إلى الزاوية للضيوف وشباب الحي ينتظرون خروجي إليهم وقد جهزوا أفضل الحمير المطهمة على ظهره سرج الباسور الأنيق يعلوه فروة ناعمة ، اعتليت ظهره بخفه ونشاط تحت زغاريد النساء وصيحات الرجال ومعي كوكبة من الشباب ، انطلقت الحمير كالسهام تنهب الأرض نهبا وهى تتجه صوب الجنوب في صورة تكاد لا تخلو من هيئة جياد تقتحم ساحات الوغى والشباب يتصايحون على ظهورها وفى مقدمتهم حماري حتى بلغنا ( الكونج ) أقصى نقطة في جنوب الجزيرة ، نزلنا على النهر وسبحنا ثم انطلقت الحمير مرة أخرى صوب الشمال وهى تشق الجزيرة عن طريق( باشن درب ) وهو طريق واسع يشق الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها إلى أن وصلنا( الساب ) أقصى نقطة في الشمال ، نزلنا في النهر وسبحنا ،
عاد الموكب بعد ذلك إلى بيت العرس وقد وجدنا الناس يعدون طعام الغداء وما زال البيت يعج بالناس ، الرجال يتخذون أماكنهم في الزاوية وتحت ظلال النخيل وجوف المنازل المجاورة ، تخرج صواني الغداء ، يطوف عليهم الغلمان بالماء البارد والشاي ، يقومون على خدمتهم أحسن خدمة ، هنا يرتفع صوت الأذان أي أذان العصر، يؤدون صلاة العصر في جماعة .
ريثما يفرغ الرجال من صلاتهم تشرع مجموعة من النساء إعداد مراسم وضع الضريرة على راسي ، أطلقن دخان البخور والصندل في مجمر النحاس المغربي الكبير، فاحت روائح الطيب والحناء والبخور ، تحول المكان إلى بهجة وسرور وزغاريد وغناء
كنت اسمع أغنية قديمة ولعلها بلغة المحس يرددنها النساء بصوت عذب وهن يغنين نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي جلي دوسا ماسقن ـــــــ جلي دوسا دوقي ) أجلسنني على عنقريب وطىء وأخذن يضعن الضريرة على راسي وكذلك الزيت حتى تسربل العراقي كله بالزيت والضريرة والحناء والروائح ونحو ذلك ، علقن على عنقي وساعدي المجوهرات والحلي النفيسة ، لزوم كف العين والحسد ، في نفس الوقت اعد عنقريب آخر علية برش خارج المنزل بالقرب من باب الحوش الكبير وقد تجمهر عدد غفير من الناس حوله ينتظرون قدومي إليهم .
جاء عمى محمد شريف نصر بلال ( رحمه الله ) الذي سيجرى على يديه عملية الختان فهو رجل متوسط الطول ابيض اللون مشرب بسمرة تبدو عليه علامات الوقار والهيبة ، رجل يجبرك على أن تجله وتبجله وهو من كبار وجهاء ( هارون مار ) كان يختن الصبيان ويجبر الكسر ويخلع الأضراس له موقف مشهور مع شقيقي عبد الهادي مختار في خلع ضرس له ، هذا لا أنساه أبدا ، أتذكر ذلك المشهد الذي صاحب عملية خلع الضرس ، كان آخى عبد الهادي يعانى من ألام ضرس لعين اقلق مضجعه فترة من الزمان ، يبكى من شدة الألم إلى أن يغلبه النوم ــ إن كان هناك نوم ــ ويصحو به باكيا ، وصفوا لنا بان نجعل الشب في موضع الألم ليخفف ، بعضهم طلب بان نضع الملح وآخر قال : سخنوا سلكا في النار وضعوه في موضع الألم ، كنت احمل السلك واذهب إلى بيوت الجيران واضعه تحت القدرة حتى يسخن وأهرول به نحو البيت ، مرة قابلني ثلة من الرجال في الطريق وسالونى : ماذا تفعل بهذا السلك الساخن؟ ، أجبتهم على الفور : نسخن به ضرس آخى عبد الهادي ، ضحكوا حتى كادوا أن يقعوا من على ظهور الحمير، المهم جربنا معه كل السبل دون جدوى ، مرة من المرات جاء أبى من الحقل ووجده واضعا يده على خده وهو يبكى بصوت كصوت اللوري المركب في مكنته الكوز، قرر أن يذهب به إلى عمى محمد شريف (رحمه الله ) حتى يضع حدا لهذا الألم ، ساقه إلى منزل محمد شريف ، تبعتهم وأنا صغير ، وصلنا إلى منزله ووجدناه يشرب في شاي العصر ، رحب بنا كعادته ، حكى له أبى عن الضرس والآلام المبرحة ، دنا من آخى عبد الهادي وطلب منه أن يفتح فمه ، نظر إليه مليا ثم قال لأبى : إن هذا الضرس قد أصابه السوس ويجب أن نخلعه ، وافقه أبى الرأي وليته ما وافق ، وسوس إلى أذن أبى كلاما فهمت منه عبارة (أغلق باب الحوش بإحكام واسحب المفتاح معك ) يا ألهى ! ماذا يريد أن يفعل هذا الرجل ؟ تظاهر أبى بأنه خارج ليقضى شيئا ما ، خرج وبعد برهة دخل وأغلق باب الحوش من الداخل بإحكام على حسب طلبه وعبد الهادي مشغول بألمه لا يدرى ما يدور حوله، دخل إلى إحدى غرف المنزل وجاء بكماشة أي والله بكماشة، احسبه كماشة خلع ضرس الحمير وليس ضرس بنى ادم ، عندما رأى عبد الهادي تلك الآلة الرهيبة هب واقفا ونسى ألمه وحاول أن يهرب ولكن هيهات ، أنى له ذلك ؟ جرى يمنة ويسرة وهما يطاردانه حتى قبضا عليه وطرحاه أرضا كما يطرح الخروف واحكما عليه القبض بحيث لا يضطرب ، فتح فمه تحت تهديدهما وإلحاحهما ، ادخل عمى محمد شريف (رحمه الله) كماشته في فم المسكين وامسك به الضرس المعنى وقد اخذ يشده بكل ما أوتى من قوة عاضا لسانه بأسنانه ، وعبد الهادي يصيح بأعلى صوته وأصيح أنا معه ، يتلقب وهو يرفس رجليه كالشاة المذبوحة ، أخيرا اخرج الكماشة وبين فكيه الضرس اللعين ، تنفس أبى الصعداء حامد لله رب العالمين ، هكذا أجريت عملية الخلع دون أي مخدر وعلى الهواء الطلق .
ارجع بك مرة أخرى إلى بيت العرس ، جاء هذا الرجل نفسه لإجراء عملية الختان ، كنت خائفا جدا ، وزاد خوفي أكثر عندما رأيت أحدا يجلس خلفي لعله عمى نصر فروش أو أخوه سيد احمد أو عوض أحميدي لا أتبينه ، والغرض من جلوسه هذا هو أن يثبتني إن اضطربت ، اقترب عمى محمد شريف(رحمه الله ) منى قليلا واخرج من جيبه شيئا كالخنجر كانوا يسمونه ( القنجر ) بعد أن جهز أموره أعطى الإشارة لأحد الحاضرين بعبارة معروفة بين الناس وذلك بان يقال للعريس : انظر إلى ذلك الصقر في الجو ، ما أن رفعت راسي لأنظر إلا و قد فرغ الرجل من مهمته كلمح البصر دون أي مخدر ولا يحزنون ،
هنا ارتفعت أصوات الناس ما بين حاث ومشجع على الثبات ، انهال على قطع النقود المعدنية من فئة العشر قروش والخمس قروش من كل صوب خاصة من أقراني اللذين لم يخوضوا التجربة بعد.
بعد هذا جهز برنامج آخر وهو الذهاب إلى النهر ، اجتمع عدد غفير من الناس رجالا ونساءا وشيبا وشبابا ، وضعوا الدلوكه على كتف إحدى النساء وارتفعت الأصوات بالغناء والطبل يدوى والطنابير ترن بأجمل الألحان وتفعل في النفوس فعل السحر ، انطلق موكب السيرة متجها صوب النهر والصبيان على أيديهم جريد النخل حتى بلغنا الشاطىء ، جاءوا بالماء وغسلوا وجهي ويدي ورجلي ، مكثنا فترة من الزمن نغنى ونرقص ونعرض ونصفق والنساء وسط الحلقة يقدلن كالخيل شعورهن تكاد تلامس الأرض ( الجورسى ) يشتتن الشمبال ويتناثر على أكتاف الرجال يزيدهم ذلك حماسة وحيوية ، عادت السيرة بعد قضاء يوم جميل إلى المنزل مع مغيب الشمس ووجدت سريري قد جهز حيث إنني سأستقبل جموع المهنئين وبذا قد أسدل الستار على ذلك اليوم الذي ما يزال محفورا في ذاكرتي .
ونواصل ....

ود مختار
13-06-2012, 04:55 PM
الحلقــة التاسعة
كنت أجد في هذه الدنيا الضيقة القصيرة المحدودة من كل ناحية ضروبا من اللهو واللعب املأ بها نهاري كله ، ولكن ذاكرة الأطفال غريبة ، أو قل ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث أيام الصبا ، فهي تمثل بعض هذه الحوادث واضحا جليا كأن لم يمض بينها وبينه من الوقت شيئا ، ثم يمحى منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهد .
هكذا كبرت وقوى عودي حتى بلغت مرحلة الصبا ، أصبحت اعتمد على نفسي وأتدبر شئون أمري دون مساعدة من احد ، بل تجاوزت أكثر من ذلك ، اجلب لامي ما تحتاجها من لوازم البيت من الدكان ، اجلب لها الحطب من غابة السنط القريبة أو من أعالي النخيل ، اذهب لبيوت الجيران لإحضار ما يطلب منى إحضاره ، اخرج بالعنزات إلى المرعى صباحا وأعود بها عند العشية ، اذهب إلى الشاطىء مع أقراني للاستحمام وتزجية الوقت ، على أن هذا لم يعفني من الاعتماد على والدي في بعض أوجه الحياة التي تتعلق بالأنفاق كالطعام والملبس والصحة والتعليم وغيرها .
كان شاطىء النهر هو المكان الأثير لنفسي ، اختلف إليه وأقضى معظم ساعات النهار، اجلس عند جذع شجرة طلح ، أرمى الحجر في الماء واحلم بعوالم تتراءى لي كأنها رؤى ، أو اصطاد السمك أو أعين احد عابري النهر في حمل أمتعته وإدخاله في المركب أو استقبل احد أبناء القرية العائدين في الرصيف .
كانت الحركة ــ وما تزال إلى يومنا هذا ــ متصلة لا تنقطع ، أناس يعبرون إلى البرقيق وآخرون يدخلون إلى الجزيرة في تواصل عجيب ، إذا تألم احد في الجزيرة تألم بألمه أخاه في البرقبق كأنهما خلقا من ضلع واحد ، اسمع أنين السواقي وتصايح الناس في الحقول ، تمر من أمامي الباخرة كقلعة صاعدة أو نازلة أو أراها راسية في الضفة الأخرى تشحن بجوالات التمر والقمح والذرة ، أرى من على شمالي مراكب الكنوزوهي رابضة كالمهرات في مراحها عند ساقية ( ارجيلن مار) اسمع أصوات أناس تتناهى إلى سمعي من بعيد وهم يمدحون بصوت عذب شجي ، تقترب الأصوات ولكن لا أراهم ، فجأة ظهر من خلال أشجار السنط والنباتات الكثيفة ثلة من الرجال ممسكين ذمام سفينة أي (المعدية ) متجهين نحو الجنوب حتى إذا ما بلغوا منطقة ( الاقج قرجة) دفعوها إلى عرض النهر ، أخذت السفينة تتهادى على صفحة الماء مع تيار النهر الجارف وعلى جانبيها صفان من الرجال ، صف من اليمين وآخر من الشمال يجرون المجاديف وأصواتهم تنطلق باعذب ألحان المديح يرددون ( صلوا عليه ، صلوا عليه ) يبذلون جهدهم في أن تبلغ بهم السفينة مقر المرسى عند السبيل ، كان أقصى ما تبلغ بهم السفينة مشارف منزل (قرندى ) عند شجرة مانجو قائمة على الشاطىء ، كثيرا ما كانت تسوء الأحوال الجوية ولاسيما أيام الفيضان فيصادف ذلك يوم الأربعاء ( يوم السوق ) حيث تهب الريح من جهة الجنوب وهو ما يعرف عند أهل البحر( بالنو)
كان شاطىء النيل الشرقي يغص بالشباب في أيام الفيضان وغيرها من الأيام وذلك لاصطياد السمك والسباحة وقضاء أوقات ممتعة من اللهو واللعب ، كانوا يمارسون لعبة معروفة تسمى (عاشه دونا) كما كنت أرى مجموعة من الشباب على الضفة الأخرى يتبادلون الشتائم واللعنات والسباب مع إقرانهم من جهة الجزيرة دون سبب ، مرة من المرات ذهبت أنا وآخى عبد الهادي مختار وجبريل عبد اللطيف وعبد العظيم محمد عثمان إلى الشاطىء للاستحمام ، نزلنا إلى الماء عراة ، بينا نحن في الماء جاء عمنا محمد خير حمد أرباب (رحمه الله) وجمع ملابسنا ورفض إلا يعطى احدنا ملابسه ما لم يخرج إليه ويأخذ عقابه ، رفضنا الخروج من الماء ، كان جبريل عبد اللطيف نبيها ، فعند أول نزولنا في الماء خبأ ملابسه الداخلية في مكان آخر كأنما كان يستشعر بما سيحصل، خرج إلى ذلك المكان وارتدى سرواله وجاء وانبطح أمامه ، ونال عقابه واخذ باقي ملابسه وذهب ، وعبد الهادي كان يرتدي سرواله أصلا عندما نزل إلى الماء ، خرج هو الآخر ونال عقابه وأخذ ملابسه ومضى أما أنا وصاحبي عبد العظيم لم نكن نرتدي أي ملابس ، ظللنا داخل الماء في انتظار أن يأتي رجل ويتدخل لحل الإشكال أو يجود علينا بملابسه ، انتظرنا طويلا لعل الله يفتح علينا بمن ينقذنا من هذا الموقف العصيب ، لم يظهر لنا أحد لينقذنا مما نحن فيه حتى الإخوان جبريل وعبد الهادي لم يتكرما بإسعافنا ببعض الملابس بعد أن ذهبا إلى القرية وكان من الإمكان أن يأتي أحدهما بملابس على عجل ولكنه لم يفكر في ذلك أبدا ، أخيرا هددنا الرجل بأنه إن لم نخرج إليه لنيل العقاب سيذهب بالملابس ويتركنا على حالنا ، صممنا على ألا نخرج إليه فما كان منه إلا أن حمل ملابسنا وذهب إلى منزله ، بقينا داخل الماء فترة من الزمن وبعد أن يئسنا من هذا الموقف المحرج قررنا أن نخرج ونتوارى داخل قصب كثيف ونستتر به أثناء سيرنا حيث كانت تمتد من الشاطئ إلى مشارف بيوتنا ، بلغنا آخر الطرف الذي يلي منازلنا ولكن لسوء الطالع وجدنا مجموعة من أهل الحي من الرجال والنساء يتخذون في هذا المكان ظلال النخيل مكانا لهم للأنس ، مجرد أن خرجنا رأونا ونحن على هذه الهيئة صاحوا في نوع من الدهشة قائلين ( عوووك ...عووووك .... شوفو الأولاد ديل عريانين كيف ؟ ) رجعنا إلى داخل حقول القصب مرة أخرى واختفينا ، كلما نهم بالخروج نجد أحدا يتربص بنا ونعود إلى حيث كنا وهكذا إلى أن غابت الشمس وحل الظلام عندئذ خرجنا ، نظرنا يمنة ويسرة ثم انطلقنا نعدو إلى أن وصلنا منازلنا في سرعة البرق في شوط واحد ، كان ذلك يوما مشهودا لا أنساه ، فلما سمع أبى ما حصل لنا لم يؤنب عمنا محمد خير (رحمه الله) على فعلته بل دافع عنه وقال : كان ينبغي عليه أن يأتي ويعاقبنا حتى بعد وصولنا المنزل (رحمة الله عليهم جميعا) كان الأب ينجب أما التربية فكان يتولاه الجميع
ونواصل ...

ود مختار
13-06-2012, 04:58 PM
الحلقة العاشرة
كم من الأفراح والأتراح شهدتها هذه الشواطىء ،تنكب عندها القرية كلها في ثاني أيام عاشوراء صباحا حيث كان يتعذر الذهاب إلى النهر في نفس اليوم ليلا خاصة الصبية والنساء وذلك لتعرضهم للضرب والضرب كان جزءا من طقوس هذه المناسبة ، كان يبدأ الاحتفال بالعاشوراء من بعد صلاة المغرب إلى منتصف الليل وما بعده ، كانت تصاحب الاحتفال بعض الممارسات التي لا تخلو من الخطورة ، كان الشباب يجهزون حبالا غليظة مصنوعة من نبات الحلفا تسمى (بالالس) يشعلون في طرفها النار ويديرونها على الهواء ويضربون بها بعضهم بعضا أو يقذفونها عاليا في الهواء ، كان الصبيان والنساء يجدون ضربا إن حاولوا الذهاب ليلا إلى النهر لجلب ماء عاشوراء المبارك على حسب اعتقاد الناس في ذلك الزمن ، لذا كانوا ينتظرون صباح اليوم التالي حيث مازالت ماء عاشوراء باقيا .
كنت أشاهد أحيانا كثيرة عند الشاطىء موكب عرس ( السيرة ) يمضون وقتا طويلا في الغناء والرقص ، يأخذون الماء للعريس والعروس للتبرك به كما كنت أرى نساء يأتين من وقت لآخر وهن يحملن الحلوى وبضع تمرات معها أشياء أخرى لا أتذكرها يقذفنها داخل النهر وذلك حين تكمل إحداهن مدة النفاس ، كن يعتقدن بان هذه التمرات ومعها الأشياء المصاحبة إنما هي طعام للملائكة ، كثيرا ما تجد احد الشباب الذين هم داخل الماء يتربص بتلك الحلوى والتمرات ويتلقفها قبل أن تبلغ أفواه الملائكة ،
كان الشاطىء يشهد أحزان الناس مثلما كان يشهد أفراحهم ، سمعت مرة صراخ نسوة من جهة (اقج قرجة) وما هي ساعات إلا واجتمع خلق كثير على الشاطىء الرجال على أيديهم المصابيح ، بعضهم في القوارب يبحثون عن غريق يدعى (ابديل) لا اعرف ابديل من ولكني اعرفه من شباب جنوب الجزيرة، ظلوا يبحثون الجثة الليل كله دون جدوى وأرسلوا إشارات تلفونية إلى مركز البوليس على امتداد النيل حتى (السادى) في ارض المحس ولم يعثروا على الجثة حيث استقرت في بطون التماسيح ,
اذكر مرة من المرات بينا نحن على الشاطىء إذ ظهر علينا من ناحية الجنوب رجل يسبح وسط الماء يطارده ثلة من رجال البوليس ، يسبح مرة ويغطس مرة أخرى وفى يده سكين يلوح به من حين لآخر والناس على الشاطىء ينظرون إليه في شيء من الوجل والخوف ، عندما بلغ ناحية البرقيق خرج من الماء عند اشجار سنط جنوب السبيل ، ذهب إليه عبد القادر عبدا لله نصر (ابو بسكا)
ومصطفى احمد إسماعيل ريسا المركب آنذاك يريدان الإمساك به وكان كلاهما مسلحا بعصي غليظة ، عندما اقتربا منه هجم عليهما الرجل ، قذفا بعصيهما وأطلقا ساقيهما للريح ، بعد ذلك صعد قوز الرمال واتجه نحو الحواشات ورجال الشرطة يتبعونه ، يطلقون عليه وابلا من الرصاص ولا يخترق جسمه ، لا يجرؤ احد أن يقترب منه ، فالرجل كان مفتول الذراعين ، ضامر الخصر ، واسع الصدر كما الأسد تماما ، كل من يراه ترتعد فرائصه خوفا ويفر من إمامه ، احتار رجال الشرطة في ما يفعلوا لهذا الرجل حتى يمسكوه أو يقتلوه ، كان هناك شرطىء قديم في مركز ارقو أو كرمه لا أتذكره خبير في شئون الحجبات والتعاويذ ، وجه احد أفراد الشرطة إن يطلق عليه بالفضة بدلا من الرصاص ، دخل وسط قصب كثيف ، انتظروه حتى يخرج ، بعد فترة خرج وباغتهم من الخلف وشرع يهاجم أفراد الشرطة ويضرب العربة يمنة ويسرة ، هنا وجه الشرطىء فوهة البندقية المعبأة بالفضة على صدره وارداه قتيلا ، بعد ذلك حملوا جثته واتوا بها إلى مستشفى البرقيق حيث هرع الناس ليروا جثة هذا الرجل الذي دوخ رجال الشرطة وافزع الناس ، أما سبب مطاردة الشرطة له ، يقال بأنه قتل امرأة في نواحي جزيرة( بنا) ولما حاول رجال الشرطة القبض عليه نزل البحر واخذ يسبح محدثا هلعا وخوفا أينما يحل إلى أن بلغ البرقيق حيث كان نهاية مطافه ، كان هذا من الإحداث التي شهدتها شواطىء الجزيرة .
كثيرا ما كان يأخذ النهر أفراد القرية ، كثير من الشباب ابتلعهم جوف النهر، لا يفرق بين رجل وامرأة ولا طفل ولا كهل كما أن كثيرون منهم نجوا من براثنه ولا زالوا يحتفظون بذكراه إلى يومنا هذا.
أما من جهة البرقيق فالشاطىء أيضا كان عامرا بالنشاط والحركة ، فالمساحة الخالية أمام السبيل كان لا يخلوا من حركة تجارية نشطة ، كان التجار يفرشون جولات الخيش وينتظرون القادمين من الجزيرة لشراء ما يحملونه من الحبوب والبقوليات ، تجد من حين لآخر جوالات التمر والقمح والذرة مرصوصة بصورة منتظمة في انتظار أن يأتي (المخصوص) باخرة شحن كبيرة أو مراكب (الكنوز ) لتحملها إلى مدينة دنقلا ، وكانت المساحة الممتدة أمام السبيل تشهد حضور البصات واللواري ، كانت البصات تأتي وقت الضحى وتنتظر المسافرين من أبناء الجزيرة ، كان الناس في ذلك الزمان يتبعون المسافرين إلى أن يخرجوا بالضفة الأخرى ، كانوا يوصون المسافرين بان يتتبعوا أخبار أبنائهم في الخرطوم ، بعضهم كان يرسل طرود التمر والفول المصري إلى أبنائهم وبعضهم يوصى ابنه بالا ينقطع عنه مدة طويلة كما كان هنالك شباب يتفرغون لكتابة الرسائل للأهل والأحباب في الخرطوم .
فكانت هذه العادات تبدو أجمل ما تكون إذا كان السفر بقصد أداء فريضة الحج حيث كانت النساء تجتمعن في المنزل منذ العشية يمدحن الرسول صلى الله عليه وسلم ويدعون للحجيج بان يوصلهم الله إلى بيته العتيق وزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ويعيدهم سالمين غانمين ، كان كل فرد يمنى نفسه بزيارة الأراضي المقدسة وأحيانا تستخف بالرجال ذكر الحج وزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم وشرب ماء زمزم فيجهشون بالبكاء ، يظل البيت عامرا بالمديح وحركة الناس منذ الليل ، وفى الصباح يتبعون الحجيج ويعبرون بهم النهر إلى الشاطىء الآخر حيث البصات في انتظارهم ، كم كنت اسمع صوت الأذان يرتفع داخل المركب وزغاريد النساء ومدائحهن وأصوات الرجال ترتفع بالتهليل والتكبير ،الله الله من عبق تلك الأيام ورونقها .
أما السبيل فكان عبارة عن غرفة واحدة يحتمي به الناس والتلاميذ من حمارة القيظ وزمهرير الشتاء ولم يكن حوله منازل بل يمتد من أمامه وخلفه شريط من الرمال عليها نباتات بائسة من الحلفا والمسكيت تقاوم الطبيعة بشيء كالمعجزة ، كنت اسمع وأنا مستلق على طهري في الحوش رجلا يصيح وينادى (ووا نصر فروش ، اعووووك ... اعوووك كبكى اتا ) يعنى يا نصر فروش احضر المركب ، فيهب الريس نصر فروش تحت جنح الليل ويأتي إليه بالمركب ، سمعت من بعض من أثق فيهم بأنه كانت تأتى حيوانات متوحشة من الخلاء مثل الضباع والذئاب إلى الشاطىء لتشرب الماء وتشكل خطورة على اللذين يقدمون إلى الجزيرة من السفر ليلا ، ويقال إذا أشعل الواحد عمامته أو أى شيء تفر وتبتعد منه خاصة الضباع .
ونواصل.....

ود مختار
13-06-2012, 04:59 PM
الحلقة الحادية عشرة
النيل فيض من الرحمن أهدانا
من مائه العذب اسقانا فاروانا
ما جاء نفح به الا واطربني
في شاطئيه وإلا جئت جزلانا
الدوح مد على الشطين افرعه
يميس يلثم صدر الماء احيانا
إني نظرت ، جمال بات يتحفنا
إنى التفت ربيع منه ناجانا
الشط جمعنا ، الوصل قربنا
البدر ناجانا ، الدهر سرانا
كم كنت يا نيل ملهانا ومرتعنا
في شطك الغر كم صغنا حكايانا

إننا نعرف هذا النهر مثلما يعرفنا ،
فعلى أمواجه الزرق ولدنا ،
ومع الأسماك في النهر سبحنا .
خرجت كعادتي من المنزل قاصدا الشاطيء ، بلغت شريط غابة النخيل القائم على أطراف القرية ، ترقد وراءه مساحات خضراء شاسعة تمتد من أقصى الجنوب إلي أقصى الشمال على مد البصر كأنها فرش خضراء بسطت بعناية ، تقف على امتدادها من الشرق صف من السواقي الدائرة حولها قطعان من الماعز والضان ترعى ، وحمير مقيدة على أوتادها وأبقار رابضة في مراحها وهى تجتر طعامها في هدوء ، هذه المساحات هي ما تسمى بأراضي ( القرنتي ) أي أراضي القرير ، وهي تعتبر كرائم أراضي أهل القرية التي تنتج لهم أنواع الغلات من القمح والفول والذرة والخضروات ، تغطيها الطمي في مواسم الفيضان وعندما تنحسر عنها تتشح بالخضرة والجمال وتبدو بهذا الشكل البديع .
تجاوزت هذا المساحة حتى بلغت الشاطيء ، وجدت أناسا تحت ظل شجرة سنط ، بعضهم راقدون كأنهم قطيع منهك وآخرون يثرثرون في أحاديث شتى ، على طرف آخر من الظل شراع مركب قديم مفروش على الأرض فوقه الريسان جمعة سلمان وعطا سعيد يرقعانه بعناية فيما عمنا ( سلمانتود رحمه الله ) في جوف المركب في يده مطرقة يثبت بها الخرق على الشقوق ، يرتفع صوته من حين لآخر بعبارة ( الله ما في غيرك ) يبدو أن أحدا يتجاذب معه أطراف الحديث ولا يطلق هذه العبارة إلا إذا اشتد النقاش،
قطيع من الأغنام والضان يندفع نحو الماء محدثة أصواتا ، تجاوبها أصوات البهائم المحبوسة في الزرائب عند الشاطيء ، تختلط معها أصوات السواقي والأبقار والطيور الصادحة وتصائح الناس فتبدو كأعظم سامفونية لا يضاهيها سامفونيات( بيتهوفن )أو موسيقى (باخ) كيف لا ؟ وهي موسيقى الطبيعة الساحرة التي تملك أقطار النفس .
أرى رجلا ينثر القش أمام الأبقار وعلى مقربة منه وسط الزرع ثلة من الرجال والنساء يشرعون في التنظيف ، إنه أوان (النجام) وفي ناحية نسوة يلقطن الويكه كما أرى صبيا يسوق الساقية في همة ونشاط وهو يغني لساقيته كما كان الشعراء في الزمن القديم يغنون لجمالهم ، في الشاطيء أيضا أطفال يضعون مراكب صغيرة مصنوعة من القصب ، تأتي نسمة وتدفعها نحو الشاطيء الآخر بعد أن وضعوا داخلها بضع تمرات أو قندول محمر من عيش الريف يرسلونها لأقرانهم في الضفة الأخرى ، وهم بدورهم يرجعونها محملة إلي ناحية الجزيرة وهكذا . ورجل في يده عود مقوس يسمى (السلي ) بضم السين و تشديد اللام ينهمك في عمله على الشاطيء يغرس هذا العود في الطين ويلفه لفتين ثم ينزعه ثم يغرسه ثم ينزعه في حركات سريعة يتبعه صبي يرمي الحب داخل تلك الحفر، كان هذا ما يعرف بزراعة (السلوكه)
كان الناس عندما ينحسر الماء يقسمون أراضي السلوكه (الشريط المحاذي للشاطيء ) بين أفراد أهل الساقية ، يزرعون فيها اللوبيا و الفاصوليا والقرع والعجور ويزرعون على حافتها الترمس كسياج واق لها وأحيانا كانوا يزرعون مع هذه المحاصيل ( الاقد) بضم الهزة والقاف ، تقطف النساء براعمه وأوراقه الخضراء ويعملن منه ملاح لذيذ هو ما كان يسمى بملاح الورق ، غالبا ما كان الترابلة يجعلونه سبيلا لا يبيعونه ، يقطف من أوراقه الرائح والغادي ولا يسأله سائل.
الطقس اليوم هاديء ، والماء ساكن ولا يقطع هذا السكون إلا صوت وقع طائر (الديابي) من حين لآخر حيث يقف مرفرفا اجنحته فوق الماء فترة من الزمن ثم ينقض على السمكة ، أو صوت فرقعة سمكة (الدشكو) سمك العجل أو قفزة عالية من سمكة صغيرة تطاردها أخرى كبيرة عندئذ تضطرب صفحة الماء وتنداح الأمواج آخذة أشكالا دائرية وتتسع رويدا رويدا إلي أن تتلاشى ، صفحة النهر مرآة صافية كبيرة تنعكس عليها من الضفة المقابلة ظلال أشجار السنط الممتدة على محاذاة النيل من جهة البرقيق ، تنعكس معها أيضا صورة المركب القادم من هناك فتبدو كأنما مركبين ، أحدهما فوق الماء والآخر تحت الماء لا يختلفان عن بعضهما في شيء ، ما أجمله من منظر! انه يخلب اللب ، ويفتن البصر، ويملأ النفس روعة وجلال ، ها قد جاء المركب إلي الشاطيء ورسى عند ذات شجرة السنط الذي يجتمع الناس تحت ظلها ، اخذ الناس يخرجون ، بعضهم يقفز بخفة ، بعضهم ينزل رجليه في الماء معتمدا على حافة المركب ، وآخرون يدفعون حمارا قابعا في جوف المركب ، يبذلون جهدهم في إخراجه بينما الريس يتكأ على الدفة خالفا رجله اليمين على اليسار وفي فمه سيجار كأن الأمر لا يعنيه في شيء ، إنما يعنيه مركبه هذا ومن بعده حالة الطقس الذي لا يعجبه ولا يعجب الناس .
يهم الناس بالدخول إلي المركب ، يأمرهم بنوع من الحزم بان يمكثوا قليلا ريثما تأتى نسمة من جهة الشمال ، وما هي إلا ساعات وتضطرب صفحة الماء من بعيد ، إنها النسمة قادمة إليهم من ناحية الشمال، عندئذ يأمر الناس بالدخول فيهرعون إلي المركب ويأخذون أماكنهم ، النساء في مقدمة المركب والرجال في المؤخرة والدواب في جوفه بينما مجموعة من الرجال يدخلون ظهورهم تحت المركب محاولين دفعه إلي الداخل وهم يقولون بصوت واحد (هيلا هوب ... هيلا هوب ) والمركب يظل ثابتا ملتصقا بالأرض ، يأمر الريس من هم بالمقدمة الرجوع إلي المؤخرة ، فيمتثلون لأمره ، تبدأ عملية الدفع مرة تلو المرة إلي أن يعتدل المركب طافيا داخل الماء ، بعده يثبون بخفة إلي داخل المركب إلا واحدا يظل خارج المركب يظل يرفع الدفة قليلا ويدفع المركب إلي الأمام ثم يصعد هو الآخر إلي ظهر المركب وينطلق بهم ،يخرج رجل من خلال غابة النخيل مسرعا وهو يرفع صوته بين الفينة والأخرى مناديا (اعوووك..اعووووك) ولكن لا يبلغ صوته الشاطيء ، يأتي مهرولا وقد وجد المركب قد فاته ، يندب حظه فيقبع تحت ظل شجرة السنط ذاتها يتجاذب أطراف الحديث مع الريسين جمعة سلمان وعطا سعيد الذين ما زالا يعملان
تحركت من مكاني إلي ناحية الجنوب لأني رأيت (الكنتين كب) قد وصل وهو مركب يحتوي على دكان مليء بالبضاعة يجوب الشواطيء ، دائما ما كان يأتي هذا المركب في مواسم محصول التمر ويرسو قبالة جدول إن كان الوصول إليه يتعذر بسبب (الجنجلوق) أى الطين والوحل ، كنا نصعد أعالي النخيل التي تركت محصولها بسبب وعورة الوصول إلي قمتها ، نهز السبائط ويتساقط التمر وهو ما كان يعرف (بالشنديد) بضم الشين بعد ذلك نجمعه ونذهب به إلي الكنتين كب كي نشتري بثمه صنارات صيد السمك و الحلوى والطحنية وغيرها ، دائما كان يكتظ غابات النخيل بالناس الذين يجمعون التمر المتساقط كانوا يسمونهم (بنتي بت تنجي ) يبيعون للناس البليلة أ و الدقة (دقيق الذرة الشامية مخلوط بالسكر) مقابل حفنات من التمر، كان من ادبيات هذه المقايضة ان يطلب الشاري من صاحب البليلة أو الدقة أن يمنحه كمية قليلة ليجربها إذا أعجبته أشترى منه وإن لم تعجبه تركها وذهب إلي غيره ، كانت تسمي ذلك( بالتنجه) .
انظر إلي هناك إنهم مجموعة من الصبيان يقفزون علي الشاطيء والأرض تحتهم تنزل بهم تارة وتعلو تارة أخرى كأنها سرير
منسوج من الياي يعلو ويهبط ، ومجموعة تبني بيوت الطين ، وثانية تحفر حفرا لتخذ منها الماء ،وثالثة تطارد حشرات (اليعسوب ) وهي حشرة طائرة تشبه (الهلوكبتر) تطير على ارتفاع منخفض ، ومجموعة رابعة تمسك أيدي بعضها وهي تتحرك داخل الماء بحذر ويداهمون صغار السمك ويحاصرونها مع حافة القيف بحركة سريعة وهو ما يعرف (بالشبكيد ) بتشديد الكاف ، كانت بعض الأسماك تفلت إما قفزا فوق الرؤوس وإما تسللا من بين الأفخاذ ليس الغرض من صيدها الأكل إنما ليجعلوها طعما في الصنارات ثم يقذفون الخيط بكل قوة إلي داخل الماء وذلك بعد أن يربطوا بطرفه حجرا ، كانت عملية الرمي تحتاج إلي حذر شديد ، ومعرفة ودراية وفنيات عالية ، حتى كيفية مسك الخيط تكون بطريقة معينة ، إن لم تكن مدربا ربما تنغرس إحدى الصنارات في أي جزء من جسمك أثناء الرمي ومن بعده يكون إخراجها صعبا ومؤلما بسبب النتوء البارز في الصنارة
ونواصل...

ود مختار
16-06-2012, 02:00 PM
الحلقة الثانية عشرة
من طرائف ذلك الزمان الذي ما زلت أتذكرها تلك الطرفة التي حدثت لأخي وصديقي اإسماعيل محمد عثمان مفاده .
إنني مرة من المرات جئت إلي الشاطيء لأرى صنارتي ما إذا كانت قابضة سمكه أم لا ، أخذت اجر الخيط فوجدته ثقلا جدا ، فرحت لأنني ظفرت بسمكة كبيرة بعد أن ابتسم لي الحظ ، كان حظي عاثرا كنت اقضي سحابة يومي في الشاطيء لأقبض سمكة وفي آخر النهار أعود إلي البيت خاوي الوفاض ، أخذت تحوم على ذاكرتي الصغيرة أطياف من أحلام وأماني الطفولة البريئة ، قلت : أبيع هذه السمكة بثمن معقول ومرة قلت : أحملها إلي عمي طمبل عبدون ، أو عمي خليل عثممان أو عمي حمد عبدون (رحمه الله ) اهديها إلي احدهما بدون مقابل لعله يرضى عني ولا يعاقبني إذا نفشت غنمي زرعه إنها نوع من الرشوة ، كنت اعرف مدى الإرهاب الذي كانوا يسببون لنا ، كان ثلاثتهم يتربص بالصبيان يطاردونهم متى ما اقتربوا من سواقيهم ويا ويل من يقع في يد احدهم خاصة إذا امسكوه وهو في النهر قبالة سواقيهم ويا سواد ليل من يقطف الرطب أو يقترب بعنزاته من زرعهم أو حتى يصطاد القمارى في سواقيهم ، كانوا يستمتعون بهواية مطاردة الصبيان ، لست أدرى ما إذا اتخذوه هواية أم تربية أم الاثنين معا .ما علينا ، المهم أخذت خيط الصنارة وصرت اجذبه ببطء ، اجذبه كأنني أجذب حجرا، لا اضطراب ولا حركة البتة ، ومن العادة أن السمكة تضطرب ويذهب بالخيط يمنة ويسرة ، احترت في أمري وأخذت تساورني الشكوك ، أقول ربما علق بالصنارة جزع شجرة أو نحو ذلك ، فجأة ظهر لي رأسه ، علمت حينها إنني اصطدت سلحفاة ضخمة ، تبخرت كل الأحلام والأماني الصغيرة في ثواني ، يا لحظي العاثر! ماذا أفعل بهذا ؟ ما الذي أوقع هذا النحس في صنارتي ؟ صرت ألعن السمك ومن يصطاد السمك ، وضعت رجلي فوق ظهرها وجذبت الخيط بقوة حتى تحرر، رأيتها تزحف نحو الماء ، لا أدرى إن بقيت الصنارة في فمها أم خرجت ، جمعت الخيط وكومته في الشاطيء وانصرفت لشأن ما ، في أثناء غيابي جاء إسماعيل محمد عثمان كالقدر ، أخذ الخيط وحاول أن يقذفه إلي داخل الماء ، وعندما أطلقها انغرست إحدى الصنارات في إصبعه (الحمد لله جات أخف ) حاول مرة بل مرات أن يحررها من نفسه أو بالأحري يحرر نفسه منها قبل أن يراه أحد ويكتشف أمره ، ولما غلبته الحيلة صار يبكي حتى سمعت صوته وأنا داخل قصب قريب ، خرجت إليه وحاولت بدوري أيضا ولكنني فشلت ، كلم أحد الصبية عمي سيد أحمد حيث جاء وأخذه إلي المستشفى ، هناك أخرجوا الصنارة من إصبعه.
هذه واحدة من الحوادث المحفورة في الذاكرة وأتذكرها كأنها حدثت بالأمس القريب ، أتذكرها يا سمعة أم أن الذاكرة أصبحت خربة ؟
من الطرائف المرتبطة بالشاطيء ما حكاها لي أخي إسحاق مختار، مضمونها أنه هو وصديقه كمال أحمد إبراهيم أرباب كانا يسرقان الحمير بعد صلاة العشاء ينقلون بها الجوالات إلي شاطيء النهر ، وبعد أن يفرغا من مهمتهما يضعون الحبل فوق ظهرها ويطلقانها بعد أن تأخذ سوطين ، وأنت تعلم يا أخي ما كان يحدثه هذا في نفس صاحب الحمار، خاصة ضياع الحبل الجديد ،المهم غاية ما في الأمر أن الحظ أوقع كمال محمد إبراهيم في سرقة حمار عمنا محمد أحمد نصر (أحمنتود) نقل به الجوالات وأطلقه كالعادة ، جاء عمي احمنتود في الصباح ولم يجد حماره ، أخذ يسأل الناس ويبحث عنه طيلة اليوم ، أخيرا وجده في زريبة الهوامل في البرقيق ، في اليوم الثاني تناهى إلي سمعه بأن الذي سرق حماره هو كمال أحمد إبراهيم ، غضب غضبا شديدا وأسرها في نفسه ، أتخذ عصا قصيرة وغليظة من جريد النخل وخبأها خلف ظهره وكمن له في طريق العودة دون أن يدرى صاحبنا ، انتظر حتى ظهرا وهما في طريق العودة إلي البيت بعد قضاء يومهما في الشاطيء ، لما اقتربا منه دنا إليهما وهو يتظاهر بأنه يريد أن يصافحهما ، مد أولا كمال يده نحوه فما كان منه إلا أن أخرج العصا المخبأة وهوى بها على أم رأسه بكل ما أوتي من قوة ، علي إثرها صرخ كمال صرخة مدوية كادت تذهب بعقله وفر هاربا وتبعه إسحاق أيضا ، كانت الضربة قوية ومباغته مما أحدث لهما ذعرا شديدا من حيث لا يحتسبا ،قال إسحاق والكلام على عهدته : سمعته يقول لكمال : يا ابن الكلب أبوك في حياته ما اقتنى حمار ولا رباه ، تأتي أنت وتسرق حماري ؟!طبعا كان الناس يتباهون باقتناء الحمير وتربيتها، لذ فإن عبارته تلك لم تخل من ذم وهجاء مر. إنها شقاوة الصبيان فما أروعها من أيام !! ، وما أجملها من حوادث !!
تلاحظون أن هذه الحوادث وما يتبعها من حركة ونشاط إنما كانت في فصل الصيف ، أما في موسم الفيضان كانت الأمور تختلف ، تغمر المياه الأراضي الممتدة بين الشاطيء والنخيل وتبقى الحقول كجزيرة وسط الماء ، أرى أحيانا في اللجة جذع شجرة كاملة تتقلب مع التيار، وجثث حيوانات وعلب فارقة ونحوهها تسرع مع التيار الجارف نحو الشمال في رحلة لا يعلم مداها إلا الله ، كان الرجال يقطعون تلك المساحة بواسطة أطواف من نبات البوص ، ينقلون بها القصب ، أو يقطعونها خوضا وعلى أكتافهم حزم القصب يكومونها تحت ظلال النخيل الوارفة .
دعني آخذك إلي الشواطيء الغربية للجزيرة ، كانت شواطئها لا تختلف عن الشواطيء الشرقية في شيء إلا أنها كانت بعيدة نوعا ما عن القرية كما كانت حركة العابرين الي( مشو) قليلة ، أذكر أن بعض أهلنا من جهة ( الساب ) كانوا يعبرونها قاصدين سوق الحفير يوم الثلاثاء ، من يقف على تلك الشواطيء يسمع من حين لآخر صوت وقوع شيء ما بقوة على الماء من جهة مشو ويتبين له فيما بعد أن شجرة نخلة كاملة هوت في الماء بفعل الهدام ، كان الشاطيء يتقهقر عاما بعد عام أمام لطمات هذا المارد العملاق الذي يعمل ليل نهار دون توقف في التهام شواطئ مشو قبل أن يتحول إلى شواطيء الجزيرة ويفتك بها دون رحمة ، عجزت كل المحاولات لصد هذه القوة الضاربة والحيلولة بينه وبين الجزيرة ، كان الناس يأتون إلي حقولهم صباحا ويجدون أن عدة أحواض قد التهمت ومُحيت عن الوجود ، قال أحد حكماء الجزيرة : إن هذا الهدام سوف لن يكف عن العمل ما لم يبلغ (كنن قوى) أي بئر كنه مكان المجرى القديم للنهر وأنه عادة بعد ثلاثين عاما يعود إلي مكانه القديم ، فهم يحكون بأنهم في زمن ما كانوا يسمعون هدير النهر بالقرب من منازلهم في (قيقر مار أو هارون مار)
أما في هذه الأيام فقد اخذ الهدام أكثر من 60% من أجود أراضي الجزيرة و وصار يمذقها في شكل جزر صغيرة متناثرة تحوم عليها طيور بيضاء فيما امتدت من جهة مشو مساحات شاسعة من أراضي ( القرير ) الخصبة على محاذاة الشاطيء عوضا عن تلك التي ضاعت من قبل ، سبحان الله إنه لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون .
ونواصل....

ود مختار
16-06-2012, 02:01 PM
الحلقة الثالثة عشرة
بت أتنقل من مرحلة إلي مرحلة ، ومن عمر إلي عمر ، وأتقلب مع أطوار الحياة وتصريف الدهر وعادياته مثلي كمثل أي صبي قروي ، أقضي أوقاتي إما علي الشاطيء ، وإما فوق النخيل أو تحتها ، وإما في المرعى وراء العنزات ، وإن لم يكن لي حظ في واحدة من الأمكنة أقبع في جوف البيت ، أعبث ببعض الأشياء على أن هذا لم يكن يأخذ زمني كله ، فسرعان ما كنت أنصرف إلي شأن آخر، لم تكن نفسي التي بين جنبي تعرف طريقا للاستقرار ، لا يهدأ بالي ، لا أخلد إلي الراحة في ساعات النهار، ولا يكف عقلي الصغير عن التفكير، كانت ساعات النهار تبدو لي طويلة جدا كما كانت المسافات هي الأخرى أيضا تبدو لي بعيدة جدا في تلكم الأيام ، عدت إلي البلد في إحدى عطلاتي ووقفت على مسارح الطفولة ومرتع الصبا فبدت لي المسافات التي كنت أقطعها بشق الأنفس كأنها قد تقاصرت ، وأن الأيام التي كنا نحسبها طويلة قد تناقصت ، سبحان الله ! الأيام تأخذ في التقاصر والأرض تنقص من أطرافها وتبدلت الأحوال وتغيرت المعالم وزالت أشياء وظهرت أشياء ، بعض المعالم التي شهدت ميلاد طفولتي مازالت باقية ولكن دبت عليها الشيخوخة وعدت عليها عاديات الدهر، كل واحدة منها لها قصص وحكايات لو علم الكلام لتكلم ، هكذا إذن سنة الحياة وناموس الكون في تحول مستمر .
كنت أكره الليل ، فإذا ما هبط علي كنت أتعجله ، نجومها كانت تبدو لي كأنها مربوطة بحبال تمنعها الحركة ، أقضي ساعاته في سأم وملل حتى إذا ما جاء أول النهار تجدني أول الناهضين بين إخوتي ، ليس لأداء فريضة صلاة الصبح ولا لأمر ذي فائدة وإنما للهو واللعب ، انطلق كطائر تحرر من قفصه ، أجوب الأحياء ، تارة أركض وراء الفراشات في الحقول ، وأخرى ألهو بصيد السمك علي الشاطيء ، أخرج من البيت مع أول النهار وأعود إليه مع آخر النهار، لا يهمني إن كانت ملابسي نظيفة أم متسخة ، ومن منا كانت ملابسه نظيفة أصلا ؟ فأهل القرية لم يكن لهم حظ في النظافة والاهتمام بالملبس خاصة الأطفال والصبيان ، كانوا محرومين ، كنت كواحد منهم أرتدي عراقي من قماش الدمورية قد أكل الدهر عليه وشرب ، رسمت من جهة الأمام خريطة من ماء (القلوق ) أما من ناحية الخلف فقد بنى عليه العرق والغبار حتى يكاد يتكسر إن لامسته الأيدي ولا تميز بينه وبين الجسم وإلي الأسفل قليلا قد تهلهل إلي شرائح طولية وعرضية والسروال نفسه لم يكن بأحسن منه ، كان هذا الزى لم يفارق جسمنا ليلا ونهارا، يرتع داخل ثتياته وإطرافه القمل ويسبب لنا الحكة ويقلق مضجعنا ، أحيانا عندما يبلغ بنا الأمر أشده نخلعه ونعرضه للنار حتى يتم القضاء عليه أو نفرشه علي الرمضاء في فناء المنزل ثم نلبسه كأن لم يكن به شيء ، بهذه الوسيلة كنا نقضي على الآفات والحشرات ، كنا لا نلبس النظيف والجديد من الملابس إلا من العيد للعيد ، كانت البيئة قاسية بمعني الكلمة ، لا نعرف الطيبات من الطعام ، إما قراصة بأي نوع من أنواع الويكة في الفطور والغداء والعشاء يتخلله أحيانا( السق بالإجى ندي) أي قراصة من دقيق عيش الريف مع اللبن الرائب لحد السكر أحيانا، الوجبات كانت غير منتظمة ، الفطور الساعة الواحدة ظهرا ، الغداء الساعة الخامسة إن وجد ، إن كنت غائبا لا يسأل عنك ، تأتي وقت ما تشاء وتبحث عن طعامك بنفسك ، قد تجد شيئا تسد به رمقك وقد لا تجده ، وفي هذه الحالة ما عليك إلا أن تتجه لأقرب (قسيبه) وتسطو عليه
تربيتنا كانت تتسم بالقسوة والعنف ، فاللين والرفق ما كنا نجدهما إلا من أمهاتنا ، هذا إن رضين عنا ، إما الآباء كنا نجد منهم أشد أنواع العقاب البدني وكان أشد منها أن يأمروك بأن تنظف أحواض الويكه من القش عند منتصف النهار ونصفك العالي عار ، تخيل مدى الحكه التي كانت تسببها أوراق الويكه وتخيل أيضا مدى الكتمة التي كانت تحبس أنفاسك مع تصاعد البخار الساخن ، كان التعامل قائما علي هذه الوتيرة حتى الحيوانات هي الأخرى لم تسلم من القسوة والعنف


ونواصل...

ود مختار
16-06-2012, 02:03 PM
الحلقة الرابعة عشرة
لم أر كلبا بريا في يوم من الأيام يقترب من الناس ويحوم وسط الحلة ، الكبار يقسون علي الصغار والصغار يصبون جام غضبهم أما علي الحيوانات البريئة ، حتى الطيور في أوكارها لم تسلم من هذه القسوة التي انتظمت جوانب الحياة ، حياة مبنية على القهر والقسوة ، لا يستطيع أحد مهما كان أن يفلت من نظمها وقيودها سواء كان في الملبس أوالمأكل أو في السلوك العام ، يقف لك المجتمع بالمرصاد ويحاسبك حسابا عسيرا ،فيا ويل من يشذ عن هذا النهج ، فإنه يكون عرضة للسخرية والاستهزاء ولهم الحق في ذلك طالما أنهم كانوا بعيدين عن الوعي ، في مثل مجتمع كهذا لابد أن تكون قويا وتتسم بالخشونة وتتحمل الصعاب وألا تظهر الضعف والبكاء ألا عند الضرورة القصوى ،إذا وقعت من الحمار أو النخلة أو لدغتك عقرب أو ثعبان إياك ثم إياك أن تظهر البكاء والضعف فإن ذلك لم يكن من شيمتنا ، على أن هذا العنف وتلك القسوة لم يكونا وبالا علينا ، فقد عرفنا قيمتهما عندما كبرنا ووعينا الحياة ، كان من حسناتها ، عودتنا الاعتماد على النفس وقوة التحمل وكل ما يتصل بصفات الرجولة من النخوة والكرم وإغاثة الملهوف واحترام الكبير وحب الخير للآخرين
البرنامج المسائي كان يتنوع في ذلك الزمان، ما أن يصلي الناس صلاة العشاء إلا ويتحلقون حول عمي نصر فروش( أطال الله في عمره ) وعمي محمود نصر بلال (رحمه الله ) يستمعون إلي قصص حسن البصري وأبو زيد الهلالي وفاطمة السمحة ، كنا نقعد منهم مزجر الكلب أنا ونجم الدين عثمان نورى وأخوه محي الدين وجبريل عبد اللطيف وأخي عبد الهادي وعبد العظيم وهم غافلون عنا، لا يجرؤ احد منا أن يقاطع أحد الرجلين وهو يحكي أو يسأله سؤالا ، عندئذ يتحسس أقرب رجل بجانبهم عصاه أو مركوبه ليلقمك به ، بعضهم كان ينصرف إلي منزله عندما يغالبه النوم وبعضهم ينوم في مكانه وهما يواصلان في السرد والناس كأن على رؤوسهم الطير لما لهذه القصص من تأثير في النفس، كان هذا السرد يقطعه أحيانا صراخ نسوة من جهة الشمال فيهرعون ألي مصدره وقد امتلأ بهم (الباشن درب ) الطريق الرئيسي كل يسأل صاحبه عن سبب الصراخ ولا يجد الإجابة حتى يبلغوا مكان الصراخ فيجدون أن هناك عراكا قد وقع بين رجلين أو شبت النيران في بيت من البيوت فيعودون إلي ما هم فيه كأن لم يحصل شيء . كما كان يسمع أيضا صراخ آخر غير صراخ النسوة يقطع عليهما سرد القصص ، ألا وهو صراخ رجل على حمار مسرع وهو ويقول : فلان فلان غائبيبون) يطلق صرخة قوية عند كل حلة تنخلع لها القلوب ، تجاوبها صراخ وعويل النساء عندما يقع عليهن الخبر كالصاعقة كانوا يسمونه (الكج )كان هذا الرجل وهو فوق حمار يجوب الجزيرة من أقصاها إلي أقصاها ، كان من أدبيات الرجل الذي يقوم بهذه المهمة ، ألا يلتفت إلي الوراء ، ألا يقف ويتحدث مع الناس ، أن يكون صوته جهوريا يصل إلي آخر الحي ، أن يتخير لهذه المهمة حمارا سريعا ، عندما يسمع الناس صياح هذا الرجل يهرعون إلي دار الميت ويجدون أن الدار قد غصت بالناس ، النساء من أهل الميت يحثون التراب علي رؤوسهن ، يلطمن الخدود ويفعلن ما لا يقبله الدين ولا العرف ، وفي خارج الدار تجد أحدا من أقارب الميت قد شد عمامته علي خاصرته ويغرق في بكاء طويل وعناق مع صاحب الدار بينما الآخرون يهدأون من روعهما ، وهناك في الزاويه رجال ينهمكون في تجهيز الكفن لا يلتفتون ألي ما يحدث من صراخ وعويل كأن الأمر لا يعنيهم ، رجال يدخلون ويخرجون في أحدي الغرف يطلبون بين الفينة والأخرى الماء أو القطن أو الطيب والميت مسجي علي عنقريب في إحدى الزوايا ، وقبل هذا كله قد ذهبت ثلة من الشباب إلي وادي شيخ منور لتجهيز القبر ، بعد أن يفرغ الرجال من غسل الميت وتكفينه يحملونه إلي الخارج ، ما أن يبلغوا به باب الحوش حتى تتدافع جموع النسوة عليه وهن يولولن ويخمشن وجوههن يحاولن إمساك عنقريب الميت حتى يردعهن رجل بحزم وصرامة ويرجعن إلي الداخل .
ما أشد نكر هذه الساعات التي يخرج بها الرجال الجثمان ويمضون به إلي حيث لا يعود فيا له من يوم ! ويا لنكرها من ساعة حين يعود الرجال وقد واروا الميت في التراب ! تفرش البروش في الزاوية ويمكث فيها الرجال أياما وليالي متصلة لمدة أربعين يوما يتلقون فيها التعازي يقرأون فيها القرآن ويهبونه لروح الميت ، كما تجلب كميات من الحصى يسبحون بها طوال النهار، وبعد انقضاء المدة يحملونها على ظهر حمار ثم يفرشونها فوق المقبرة .
كنت أتهيب مثل هذه المواقف المحزنة كما كنت أتجنب سماع ( الكلقية) أي البكاء مع ذكر محاسن الميت ، كان يصور لي عقلي الصغير أنذاك بان الميت بعد أن يدفن يعود عندما ينتصف الليل ليبحث عن طعام له أو ماء ويتجول داخل المنزل ، لذا كان الخوف يملأ قلبي وترتعد فرائصي إذا سمعت أي حركة داخل البيت .

ونواصل ....

ود مختار
19-06-2012, 02:52 PM
الحلقة الخامسة عشرة
كانت المساحة الخالية أمام منزل عمنا علي محمد خير (رحمه الله عليه) هي مكان تجمعنا للسمر،كنا نطلق عليه (علن سيو ) أي رملة علي وهي ليست رمله بمعني الكلمة وإنما كان عليها تراب ناعم يلتصق بالملابس ،كنا نطلق عليها رملة تجاوزا ، يجتمع عليها خلق كثير من أفراد الحلة وأفراد آخرون من( النورن مار) و(هارون مار) و(طمبل مار) والحلال الآخرى بعد صلاة العشاء حيث يستمعون إلي قصص عمي نصر فروش بشغف شديد ،أما في الليالي التي يغيب فيها عمنا نصر فروش نلعب فيها ( البكوجه ) بضم الباء وتشديد الكاف ، أي لعبة الدس دس أونلعب( الشليل وينو) أو نذهب ألي منزل عمنا وجارنا (فلاح خليلي يرحمه الله ) لسماع المذياع ، كان هذا الرجل مولعا بالمذياع وهو من أوائل الناس اللذين أدخلوا المذياع في آرتقاشا ، كنت استمتع بالموسقى التي تنبعث من مذياعه وأنا مستلق على ظهري في فناء منزلنا كما كنت أذهب إلي منزله برفقة أخي الأكبر بلال مختار وعثمان عبد الرحيم بحكم انهما من كبار شباب الحلة المثقفين اللذين يتلقون التعليم النظامي ، كنت أسمعهما يتحاوران مع عمي فلاح في أمور السياسة والحكم والفن وأنا قابع بجانبهم في التراب أعبث ببعض حاجياتي وأترقب سماع أغنية ، كنت أطرب جدا لسماع الموسيقى والأغاني مجرد طرب ليس غير دون أن افهم ماذا يقول الفنان ، بعده نعود إلي المنزل ، كنت أتردد أيضا أمام دكان إبراهيم حمد محمد صالح بجوار منزل عمنا محمد عثمان (مينكه )لأستمتع بسماع المذياع كما كنت أطرب لصوت الموسيقي المنبعث من مذياع عمنا (عبد الوهاب عثمان شامنتود) عندما يأتي الحلة لزيارة أمه ( ابدون برو) كان دائما ما يحمل عند مجيئه راديو ترانسستر ويضعه بجانبه وهو يؤدي بعض الأعمال في حديقته ( رحمة الله عليه وعلي أمه رحمة واسعة ) ولا أنس أيضا مذياع عبد المجيد (حبش) وهو يمر من أمام منزلنا في روحا ته وغدواته.وتنطلق من مذياعه الموسيقي وأحيانا كنت أصادف عمنا الزبير بشير الطيب (رحمة الله عليه) والناس قد تحلقوا حول مسجله يسمعون أغان محلية متنوعه منه وهو أيضا من أوائل الناس الذين أحضروا مثل هذه الأجهزة ، وقد أحضر مرة في إحدى سفرياته جهازا صغيرا لا يكف عن الضحك ، كنا نسمعه بنوع من الاستغراب والعجب
قلت لك إن المساحة الخالية كان المكان الأثير لجيلنا حيث كان يتكون من محي الدين عثمان نوري( وهو أكبرنا وقائدنا في نفس الوقت)
وأخوه نجم الدين عثمان نوري وجبريل عبد اللطيف وشقيقي عبد الهادي مختار وعبد العظيم محمد عثمان وأخوه إسماعيل محمد عثمان وعبد المتعال نصر وبكري علي نصر وتاج الدين محمد إبراهيم وكمال محمد إبراهيم والمرحوم مصطفى محمد إبراهيم وبقية العقد الفريد
يمر بجانبنا الناس ركبانا وراجلين بعد قضاء يوم مضن في الحقل ، بعضهم يجلس إلي حيث السمر تحت القمر، بعضهم يمضي عابرا وهو يكتفي بإلقاء السلام ، كانت الخطط تتم وتنفذ في هذا المكان كما كانت الغارات الليلية تنطلق منه وذلك لسرقة البطيخ والرطب الجيد من بعض النخيل المشهورة أذكر منها نخلات تسمي ( العنب ) في النورن مار أو( كرشات) حاج محمد سهولي أو محمد خير حمد أرباب(رحمة الله عليهم جميعا ) فيما عدا ذلك نتقلب على (السيو) الرملة نجيل ببصرنا نحو السماء كالذي يبحث عن شيء أضاعه هناك وما يلبث أن يرى نجمة متحركة تشق السماء حتى ينادي أقرانه ليريهم كنا نطلق عليها القمر الروسي .
أسمع وقع حوافر مجموعة من الحمير تقترب منا وعلى ظهورها شباب من جهة (كتى ) بضم الكاف وتتشديد التاء أي شباب حلة القوز ، أعرف منهم نجم الدين عبد الله نجا وعابدين حلفاوي وعبد الماجد علي إبراهيم وآخرون كثر لا أعرفهم ، يتجهون إلي ناحية( الساب ) وهم يقصدون حفلة عرس ، انطلقنا على إثرهم حتى أتينا إلي مكان بيت العرس ، وجدنا الشباب قد اتخذوا أماكنهم في الفضاء الوسيع أمام بيت العرس ريثما تبدأ الحفلة ، مجموعات من الشباب يجلسون كيمان كيمان ، زحفت نحو مجموعة تحلقت حول رجل يميل ما بين البياض والسمرة ، ملثم بعمامة ( المقنه ) وقد لفها بأحكام حول وجهه كأنه أحد رجال الجنجويد ، يجيد العزف على الطنبور بصورة مذهلة ، ينقر الطنبور نقرات خفيفة وتصدر منه نغمات ساحرة كأنها تقول (نقرن كلن ...نقرن كلن ) ثم يشرع في العزف ، فيا له من عزف جميل ! تلعب أصابعه في الأوتار لعبا ،وتأسر نغماته القلوب أسرا وقد تجاوبت معه جموع الشباب وقد أخذ الطرب منهم كل مأخذ ، من يا ترى هذا العازف الماهر الذي يلعب بمشاعر الشباب ، إنه عبد الكريم إدريس قبضة أو( الكابلي) كما يحلو للبعض ، أحد أشهر عازفي الطنبور علي الإطلاق في الجزيرة وهو من حلة احترف أبناؤها عزف الطنبور، أذكر منهم عوض أبكر وابنه أبكر ومصطفى شيخ عووضة و ومرغنتود وعبد الوهاب فضل إدريس وأخوه محمد لطيف وعبد الرزاق كنوز وغيرهم كما احترفأبناء هذه الحلة فيادة المراكب كانوا يطلقون عليهم (الرواويس) كانوا يسمون حلتهم ( بـ أرهيسن كتي) يعنى حلة قوز الرواويس
ونواصل ...

ود مختار
23-06-2012, 11:22 AM
الحلقة السادسة عشرة
وما هي إلا ساعة أو بعض ساعة حتى نسمع صوت الدلوكة بالداخل ، فقد اجتمعت الشابات في فناء المنزل وقد اخذ العريس مكانه بينهن استعدادا لمراسم وضع الحناء مادا رجليه فوق منضدة صغيرة وضعت أمامه بينما النساء يضعن الحناء على قدميه ويديه في جو يعبق فيه البخور والصندل وتنطلق فيه زغاريد النساء، يمتليء فناء البيت بالناس ، يدخل الشباب اللذين كانوا بالخارج وثم تبدأ الحفلة والرقص ، أرى نجم الدين عبد الله نجا على رأس صف يقود الشباب و ومعلوم أن مجموعة الشباب اللذين يصفقون يطلقون عليه( القرية ) يدخل عبد الماجد علي إبراهيم الحلبة لا ليصفق وإنما ليغني بصوته الشجي ويدخل معه عبد الكريم إدريس قبضة متأبطا طنبوره ، ينطلق صوت عبد الماجد بالغناء وهو يردد أغنية قديمة تقول : (الليل الله ليل يا ليل ــــ ليل بلدينا واى الله ) يتجاوب معه صوت الطنبور الرخيم الذي يكاد أن يتكلم من شدة عذوبته الله .. الله .. عليك يا كابلي جعلت الطنبور يتكلم ، صف المصفقين يتحرك في شكل دائري ويتحرك معه الفنان والطنبراوي والمصفقون يضربون الأرض بأرجلهم وأيديهم تصفق ويحدث منه صوت كصوت قطعتين من الخشب عند ضربهما ببعض ، وهم من حين لآخر يتفننون في الإتيان بحركات بارعة تصحبه قفزات في الهواء حين تستفزهم الطرب ، تدخل الحلبة نساء وفتيات كاشفات شعورهن بعضهن قد جعل (الجورسي ) في شعرها وهي عبارة عن خصلات طويلة من الشعر المستعار يلحمنها مع الشعر الطبيعي ليصير طويلا يتدلى إلي أسفل الظهر، وهن يقدلن داخل الحلبة كالخيل مع حركات تتسق مع إيقاع( الدليب ) و( الجابودي ) الحلقة تموج ويموج معها الجميع كسفينة في دوار البحر، يتحمس كل شاب من المصفقين لأخذ شمبال من إحدى الحسناوات ويبذل جهده ليحظى بالسعد والسرور، الفتيات داخل الحلبة يمنحن الشمبال لمن يجيد فنون التصفيق ، تتجه إحدى الحسناوات نحو أحد الشباب فينحني الشاب أمامها وقد تناثرت خصلات الشعر على كتفه وظهره وهو منحني في نشوة ما بعدها من نشوة ثم يرجع إلى الخلف رويدا رويدا وهو يصفق حتى ينحدر من كتفه آخر خصلة من الشمبال ، فيا سعد من يحظى بشمبال من إحدى الحسناوات فإنه يكون قد قضى ليلة ليلاء ، يخرج صف ويدخل صف ، كل يأخذ نصيبه من الرقص والتصفيق والشمبال،ثم يبدأ بعد هذا فاصل العرضة وضرب السوط يدخل الشباب الساحة فيقفزون عاليا في الهواء على أنغام الدلوكة وغناء الحسناوات التي تأخذ منهم كل مأخذ فتجد أحدهم يخلع ثيابه ويبقى بالسروال مرتكزا جسده على عصاه وسط الحلبه ليتلقى الجلد بالسوط على ظهره العاري وسط زغاريد النساء وصيحات الشباب فتطير زخات الدماء أحيانا وتلطخ الوجوه ، تستمر الحفلة هكذا ما لم يكدر صفوها مكدر، كان بعض الشباب ينتظرون هذا اليوم بفارغ الصبر، يعاقرون فيه الخمر منذ العصر ، يأتي الواحد منهم إلي بيت العرس متلثما عمامته وقد أسدلها علي وجهه ، متقلدا عصى غليظة مدببه الأطراف يتكيء عليها أو ربما يتكيء على (قسيبة) قريبة أو جدار يجعل من نفسه عنترة بن شداد ويا دنيا ما فيك إلا أنا ، يقف خلف الناس ، لا ينظر إلي صفوف المصفقين ولا ينشغل بغناء المغنين ، إنما ينظر بعيدا بعيدا يجيل بنظره نحو جموع النساء أو نحو الفتيات داخل الحلبة لعله يحظى بابتسامه من إحداهن، يستمتع بالنظر الذي طالما حرم منه طويلا . كان مثل هؤلاء الشباب ما أن يسمعوا صوت الدلوكة في جهة مشو أو كرمة ليلا إلا ويعبروا النهر بأي ثمن حتى ولو سباحة لحضور الحفلة والمشاركة
]فجأة يقع عراك عنيف بين شابين ، ثلة من الرجال يتعلقون بشاب يحاول الإفلات منهم والهجوم على خصمه ، من هو هذا الشاب ؟ لابد إنه حاج أحمد ساتي حمد من شباب جنوب الجزيرة ، إنه شاب هادي ووديع ولكنه ينقلب إلي شيء آخر في الحفلات ،يأتي ولا يشارك المصفقين ،إنما يراقب الشباب عن كثب ، إذا لم يعجبه حال أحد الشباب يدير معه عراكا ينفض على إثره الحفلة ويذهب كل إلي منزله.
ونواصل ....

حيدر ابوتركاب
23-06-2012, 01:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكراً جزيلاً الرائع الاستاذ الفاضل الكريم ودمختار على الروائع واصل في السرد الجميل حضور ومتابعة بشغف وعبرك التحية النواضر لاهالي قاشا وكل قرى الشمال ودمت ودمتم بخير

ود مختار
25-06-2012, 12:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكراً جزيلاً الرائع الاستاذ الفاضل الكريم ودمختار على الروائع واصل في السرد الجميل حضور ومتابعة بشغف وعبرك التحية النواضر لاهالي قاشا وكل قرى الشمال ودمت ودمتم بخير
شكرا الاخ حيدر على هذا الشعورالطيب وإن شاء قادم إليكم بالمزيد أرجو أن ينال أعجابكم

ود مختار
25-06-2012, 01:02 PM
الحلقة السابعة عشرة
ووا بتاني بوب بداوي ـــــــ قيلي قيلي كجرو، ترجمتها ، تعالوا تعالوا يا أولاد ـــــ نلعب نلعب يا أولاد
كان هذا هو الصوت المألوف لمناداة الصبيان للخروج إلي ساحة السمر ليلا ، ما أن يسمع أحدنا هذا النداء إلا ويأتي مسرعا وما تزال تفوح من يده رائحة الملاح ويعرفه إخوانه بأن عشاءه كان بالويكه أو بالخضره أو بالإجي ندي أو.. أو..
هذه الليلة ستكون ليلة مميزة للشلة ، لأننا سنقوم بتنفيذ مهمة لا تخلو من مخاطر،صدرت تعليمات من قائد الشلة محي الدين عثمان نوري بأن نحضر له جلبابا أسودا أو بنيا ، جريت إلي البيت وأحضرت له جلباب أبي الشتوي الأسود الذي طالما كان يتباهى به ويذكر قصة شرائه من سوق الموسكي في مصر، جئت به ووجدته يربط عودين في هيئة صليب بإحكام وبقية الشلة تجلب له صوف الضان وريشات طويلة انتزعوها من دجاجة سوداء ، كأنما كانوا قد جهزوها من قبل ، احترت في أمره ، ماذا يريد أن يفعل بهذه الأشياء ، بعد أن فرغ من ربط العودين قال لنا : سنضع هذا الجلباب على هذا الصليب ونجعل في قمته صوف الضان وريشات الدجاج ليصبح هيئته كهيئة شيطان وأنا سوف أرفعه عاليا فوق كتفي بحيث يكون رأسي داخل جلبابه وذلك بعد أن ألتحف جزئي الأسفل من جسمي بثوب آخر أسود لتكتمل الصورة وأبدو أسودا من أخمص قدمي إلي قمة رأسي ، عند الانتهاء منه رفعه فوق كتفه فبدا لنا كأنه رجل أسود عملاق هيئته مخيفة ، خاصة شعره المنكوش وريشاته المتطائرة ، من يراه يظنه شيطانا رجيما وترتعد فرائصه ، رفع هذا الشكل العجيب واتجه به نحو (باشن درب ) الطريق الرئيسي الذي يخترق الجزيرة من جنوبها إلي شمالها ،ذهبنا وراءه ، طلب منا أن نختبيء خلف نخلات كثيفة وذهب هو ووقف أمام واجهة منزل مهجور يسمي منزل( ساده ) شمال منزل المرحوم أحمد إبراهيم أرباب وكان يفتح إلي ناحية الجنوب يقال أنه كان منزلا مسكونا بالجن والعفاريت ، كانوا يذكرون روايات ملفقة حوله منها : أن أحدا رأى أشباحا قبيحة الشكل تتحرك في دهاليزه وأنوارا تومض من حين لآخر وتنبعث منه همهمات غير مفهومه . وجلبة وصراخ مرعب من حين لآخر عند أنصاص الليالي ، ذهب صاحبنا واختبأ عند الباب حتى إذا ما اقترب أول سائر في الطريق يتعرض له ، كان الحظ قد أوقع في تلك الليلة السوداء أخانا محمود عباس ( القوصي ) ، كان محمود هذا يعمل طحانا في طاحونة السيد محمد الحسن الإدريسي (رحمه الله ) وكان من عادته أن يعود إلي منزله في وقت متأخر من الليل بعد أن يطحن كل ما بقي من الحبوب ، سمعنا وقع حوافر حماره وهو فوقه يغني في نشوة ، ما أن وصل محاذاة الباب حتى اعترض طريقه هذا المارد العملاق كأنه شيطان رجيم ، وقف كل شعرة من رأسه كشوك القنفذ وتسمر حماره ولم يتقدم إلي الأمام قيد أنملة ،أخذ الرجل يتلو سورة الفاتحة بصوت متهدج والمارد العملاق واقف أمامه كالجبل الأشم ، قرأ سورة الإخلاص ، وقرأ المعوذتين، وقرأ آية الكرسي وقرأ ما شاء الله له أن يقرأ ولكن دون جدوى ، ولما بلغ به الخوف أقصاه مال على جنبه فوقع مغشيا عليه وانطلق حماره كالسهم يثير الغبار وهو يقفز في الهواء ويضرب بأرجله الأرض .انسحب صاحبنا بعد ذلك وجاء إلينا وطلب منا أن نختفي من هذا المكان وفي لمح البصر اختفينا من المكان كأن الأرض قد انشقت وابتلعتنا ، بعد ذلك لم ندر ماذا حصل له ؟
ونواصل ...

ل

بكري عبد اللطيف
26-06-2012, 11:35 PM
حضور فقط وبعد القراءة سوف تكون المتابعة المستمرة مع الردود بسهاب

ود مختار
29-06-2012, 08:05 AM
حضور فقط وبعد القراءة سوف تكون المتابعة المستمرة مع الردود بسهاب

شكرا لك على الحضور والمتابعة أخي بكري

ود مختار
29-06-2012, 08:46 AM
الحلقةالثامتة عشرة
رجعنا إلي مكان السمر وأخفينا آثار الجريمة تماما ، بعد ذلك إتجهنا إلي الساحة الواقعة أمام منزل عمنا ميرغني عبد السلام (رحمة الله عليه ) لعلنا نجد الصبيان وهم يلعبون ، وجدنا الساحة خالية إلا من واحد هو عبد الرزاق عبد الصمد جوهر ( أوشي ) يغض في نوم عميق و ( متلوقه ) بجانبه أتدرون ما المتلوق يا إخوتي ؟ إنه قطعة من الدمورية طولها مترين في متر تقريبا يلتحف به الصبيان خاصة( الأورتي ) صبي الساقية في الليالي الشاتيه ، كان الناس يقولون لمن لا يملك مثل هذه القطعة ( الماعندو متلوق متول ) يعني الذي لا يملك مثل هذه القطعة فهو مجنون لما كان لها من أهمية في حياة الناس ولا سيما في ليالي الشتاء القارصه ، المهم وجدنا هذه القطعة بجانبه ، جاءت فكرة جهنمية لأحدنا وذلك بأن نضع هذه القطعة على ظهر صاحبنا بالعرض بحيث يصل طرفاه إلي الأرض بما فيه الكفاية ، أحضرنا حجرا ضخما ووضعناه فوق القطعة في جانب ، أما الجانب الآخر وضعنا فوقه كمية كبيرة من التراب، ماذا فعلنا بعد ذلك يا ترى ؟ ربطنا على رجله خرقة من القماش واشعلنا في طرفها النار ثم هربنا ، لم نذهب بعيدا بل مكثنا غير بعيد منه لنسمع ماذا سيحدث بعد قليل ، وما هي إلا فترة قصيرة حتى سمعنا صرخات استنجاد تشق سكون الليل قائلة : واااي .. واااي ..واااي ، ألحقوني ... ألحقوني ، يا ناس ألحقوني ، يحاول أن يحرر نفسه ولكنه لا يستطيع ، يحاول أيضا أن يمد يده ليطفيء النار ويده أقصر من أن تصل ، ظل على هذا الحال والصراخ يشتد ويتصل حتى أيقيظ الحلة بأ كملها من سباتهم العميق ، جاءوا إليه يهرعون وأنقذوه مما هو فيه ، والغريبة أنهم لم يجدوا أحدا حوله من الصبيان الذين كان معهم ، فيبدوا أنهم انصرفوا إلي منازلهم دون أن يوقظوه ، جئنا نحن ووجدناه صيدا سهلا وفعلنا فعلتنا التي فعلناها ، عدنا أدراجنا إلي الحلة وسلكنا الطريق الشرقي الممتد بجوار جنينة الأستاذ شريف (رحمة الله علبه ) حتى وصلنا الحلة ودخل كل منزله .
عندما أصبح الصباح أخذ الناس يتناقلون روايات كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان حول أحداث تلك الليلة منهم من قال :أن محمود القوصي قد خرج له شيطان من منزل( سادة ) والشرر يتطاير من عينيه وأنه يطاول السحاب ويخترق الأرض اختراقا له قرن ضخم في جبهته وعين واحدة و.. و.. إلي أخره ، ومنهم يقسم بأنه رأى نيرانا تشتعل داخل هذا البيت ويصل ما بين السماء والأرض ، وأحدهم اقترح إحضار شيوخ ليقرأوا القرآن لطرد المردة والشياطين من هذا البيت ، وصار كل من يأتي ألي هذا المكان يقرأ شيئا من القرآن قبل أن يجتاز تلك المسافة مسرعا ، ترسخ في ذهن الناس أن هذا المكان أصبح يشكل خطرا على أرواح الناس وفي الواقع لم يكن هنالك شياطين ولا يحزنون وإنما نحن كنا الشياطين والمردة
أما صاحبنا عبد الرزاق فقد اتهم أولاد الحلة وهم بريئون منه كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب ، لم يستطع أحد أن يكشف بأننا من هم وراء هذه الأحداث ،كنا نسمع رواياتهم ونضحك ملء أفواهنا سرا ونتظاهر بالخوف والرهبة ، ، لم يدفعنا إلي ذلك سوى شقاوة الصبيان وصبوتهم ، أكتف اليوم بهاتين الحادثتين إلي أن نلتقي بكم في حوادث أخرى في الحلقات المقبلة إن شاء الله
ونواصل ....

ود مختار
03-07-2012, 07:05 PM
الحلقة التاسعة عشرة
مثل ما كانت الساحة الخالية أمام منزل عمنا علي محمد خير (رحمه الله ) مكان تجمعنا في الليل فإن ظلال نخيل ( دسي كرجا )كان أيضا مكانا آخرا لتجمعنا في ساعات النهار، نخيل (الدسي كرجا ) يا إخوتي عبارة عن أربعة نخلات من نوع واحد قائمات كدفعة واحدة ، الأم وأبنائها الأربعة ، ارتفاعهن يصل إلي علو شاهق حتى تكاد تقع طاقية الناظر إلي قمتها ، كانت هذه النخلات قائمة شرق منزلنا مباشرة وبجوارها نخلات أخرى لا تقل عنها طولا ، تتعانق قممها مع بعضها البعض ويتكاثف جريدها ليشكل ظلالا وارفة وممتدة ، يجتمع عندها الناس في وقت القيلولة ، لم تكن ظلالها قاصرة علي صبيان الحلة ، بل يقيل عندها الرجال والنساء وحتى البهائم ، من الناحية الشمالية لها يقع منزل عمي عبد الرحيم عثمان (رحمه الله ) منزل بلا سور، استقل الناس تلك الظلال الوارفة مكانا لاجتماعهم ، هذه النخلات كل واحدة كانت لها قصة عند أبي ، يحكيها من أين أتى بها ؟ وكيف جلبها ؟ يقول : إنه أحضر شتلة ( الدسي كرجا ) من واحة ( قعب ألقية )عندما ذهب ليجلب جريد فسائل النخل ليصنع منه حبال ( الألس)
االغليظة للساقية هو وعمي فقير أحمد بدري (رحمة الله عليه ) وعمي فضل عبد الحي (رحمة الله عليه ) وجماعة آخرون حيث كانت الجزيرة آنذاك فقيرة من مثل هذا النوع من جريد الفسائل الطري ، كانوا يمكثون هناك أياما بلياليها ، يقطعون الجريد وينشرونه في الشمس ليجف ، ولما يبلغ كميات كبيرة يحملونه على ظهور الحمير ويجلبونه إلي الجزيرة حيث كانت عامرة بالسواقي آنذاك ، وبمجرد وصولهم يضعونه في الماء لمدة أسبوع حتى يخمر ، بعدها يخرجونه من الماء ويدقونه (بالبر جووندي) وهي كتل من خشب السنط ذات رأس غليظ ومقبض ، يدقون بها الجريد دقات منتظمة ليصير ناعما ويساعد علي عملية الفتل ، أما نخلة ( الشادانا ) (والأم سودان ) ( والكري الكبير) أي العجوة الكبيرة يحكي أنه جلبهم من( مشو) عندما كان يعمل مزارعا هناك .
عندما ينتصف النهار يأتي الناس عند ظلالها ، وكأني أتخيل أمي وخالتي ست أبوها وارتنين ( رحمة الله عليها ) وعمتي دهابه ( رحمة الله عليها ) ينظفن حبوب القمح من الشوائب يزعجهن دجاجات قلقة تحاول خطف حبات من القمح ، وأخواتي عائشة أحميدى و وجارة شرف الدين ورقية يورقن الملوخية وعبدون برو ومسكة وعائشه نوري تتجاذبن أطراف الحديث في ناحية ، بينما أخواتي فاطمة عبد الرحيم وفاطمة سعيدة وفاطمة عثمان نوري وأختها ستنا يصنعن( الأوجه ) شرائح السعف المنسوج وفي جانب آخر خالتي (ستنا عرمان) و (قلة دلول) ومعهن بعض النسوة يخيطن برشا لهن يسمى (السرنبد )
وها هم الرجال يتخذون هم أيضا جانبا من الظل ، ارى من بينهم محمد عثمان نوري يفتل حبلا ومجموعة من الأطفال يمزقون ألياف النخيل المبلولة أمامهم ويجهزون له في شكل شرائح ، وعمي محمد أحمد نصر وخليفة علي (رحمة الله عليه ) يدقان حزمة من نبات الحلفا دقات منتظمة (بالبر جو وندي ) وذلك تمهيدا لصناعة حبال (الألس) الغليظة للساقية ، وبلال مختار وعثمان عبد الرحيم وعطا محمد خير فوق النخيل يلقطون الرطب لإحضارها للمجتمعين ، ومحمد أحمد (دنتود ) ومجموعة ربطوا قطعات من الجريد في أطراف حبال طويلة ممدودة وأخذوا يديرونها كالمروحة والحبال أمامهم تتلوى كالأفاعي ، بعد الفراغ منها يشدونها علي أوتاد مغروسة في الأرض ، تتم هذه العملية بعد الفراغ من فتلها لتكسبها نوعا من القوة والمتانة ، أحيانا يجعلونها في جزع نخلة ويجرجرونها يمنة ويسرة لتتساقط منها الشوائب والزوائد ثم يلفونها بعناية في شكل (دوب ) بأحجام مختلفة ، كنت أصنع منها أحيانا وأعرضها في سوق البرقيق للبيع .
شلتنا من أبناء الحلة كالعادة يلعبون سبعة حجار أو ( الطاب ) أو( كرة السيلة ) وكنت أحيانا أذهب إلي حلة (النور مار) لألعب (الشدة ) مع صبيان الحلة واذكر منهم الإخوان ، عثمان محمد عباس ومحمد عابد نصر ونورالدين عبده وأخوه مبارك ومحمد عوض السيد وأخوه عبد الهادي وجمال نصر وسيد عبد الرحمن ( رحمة الله عليه ) وصبيان كثر يضيق المجال ذكر أسمائهم ، كنت أنا وسيد عبد الرحمن من البارعين في هذه اللعبة لا يتفوق علينا أحد بسهولة ، كانت هذه هي اللعبات المفضلة لنا ، كان كثير من الناس يأتون للفرجة والتشجيع . أعود بكم إلي الظل مرة أخرى ، على مرمى حجر منا هناك زرائب يضطرب داخلها مجموعة من النعاج والعنزات بالقرب منهم حمار( داراوي ) يتمرغ في التراب ، مع كل تقليبة يطلق قذائف من العيار الثقيل من مؤخرته كما يحدث أزيزا كأزيز ماكنة الموتر من أنفه ، عندما يفرغ من هذا الحمام الشمسي يتجه نحو أقرب جزع نخلة مشقوقة ويبدأ في عملية القرض كما يقرض الإنسان الدوم إن لم يلحقه أحد ربما يتلف تلك الجذوع بالكامل حيث كانت هذه الجذوع المشقوقة عزيزة عند الناس في تعريش المنازل ، ولا يغيب عن نظري تلك العنزة الفالتة التي تحك جسدها بجدار أثناء مشيها بالقرب منه ، ومجموعة من الدجاجات تتعارك في التقاط خنفساء تعيسة الحظ أخرجها الصبيان من مكمنها تحت جذع نخلة ، تلتقطها واحدة وتطاردها الأخريات ، تخطف من فمها أخرى وتجري بها ، وتطاردها الجميع حتى تتمزق إربا إربا وتتوزع أشلاءها في أفواههن
ونواصل ...

ود مختار
12-07-2012, 07:18 PM
الحلقة العشرون
في طرف قصي من الظل يقبع زير ماء لخالتي زهرة حاج يتردد عليه الناس كلما أحسوا بالعطش ، ينطلق ضحكات بين الفينة والأخرى أعرف منها ضحكات عمي محمد عثمان ( مينكة ) المميزة وهو منهمك في نسج عنقريب وأعرف أيضا ضحكات عمي عبد الرحيم الضعيفة التي يرسلها طويلة ، يبدو أن الرجال والنساء يتجاذبون أحاديث بريئة فيما بينهم ، أمد الله في عمر من بقي منهم ورحم من مضى رحمة واسعة، كانت قلوبهم أنقى من اللبن وسرائرهم خالية من الضغائن ، كانوا من طينة طيبة غير طينتنا ، عطرت سيرتهم هذا الخراب الذي نحن فيه ، هؤلاء هم من تربينا على أيديهم ، هؤلاء هم من تعلمنا منهم المروءة والشهامة وكل القيم الفاضلة النبيلة ، ألا رحمهم الله رحمة واسعة وتغمدهم بلطفه
قوم إذا الشر أبدى ناجزيه لهم ـــ طاروا إليه زرافاتا ووحدانا
في هذه الأثناء يقبل نحونا عمي شرف الدين وفي يده إبريق ، تبدو على وجهه علامات الغضب لأن عنزة ما ولجت حديقته وفتكت بصبائت التمر ولم تترك فيها شيئا ، جلس على حافة العنقريب الذي لم يفرغ من نسجه عمي محمد عثمان ، أخذ يتحدث في أمور دينية كثيرة والناس يستمعون إليه بصمت كأن على رؤوسهم الطير، وللناس حق في ذلك ، كيف لا ؟! وهو حكيم الحلة وكبيرهم وإمامهم ، كان أبا للصغار وقدوة للكبار ، لا يقطعون أمرا ذا بال إلا بمشورته ، كم من المرات جاء ونزع مني آلة الطنبور وحطمها وهو يقول : هذا مزمار الشيطان ، كم من المرات رأيته يؤدب الصبيان إذا ما خالفوا الأدبا ، أخذ يواصل في حديثه حتى قطع عليه صوت الأذان ، رأيته يمضي نحو الزاوية في هدوء ووقار( رحمة الله عليه رحمة واسعه )
على إثر انصرافه ارتفع صوت أخي بلال وهو يقول : بشكيييييييل( بضم الباء والشين وتشديد الكاف ) بقاويييييل (بضم الباء ) ، كانت هتان الكلمتان معهودتان لدينا يطلقهما عند الفراغ من اللعب ، وتعني الأولى من يريد الذهاب إلي النهر للاستحمام ؟ ، وتعني الثانية ، من يريد المكوث هنا ؟ فالذي يريد الذهاب إلي النهر يرفع سبابته والذي لا يرغب لا يرفعها ، لم نرفع أيدينا أنا وجبريل عبد اللطيف لأننا كنا قد خططنا أمرا آخر في ذلك اليوم ، ألا وهو الذهاب إلي دوم عمنا محمد عبدون (رحمه الله ) ليس لغرض الشراء وإنما للسرقة ، تسلقنا السور من الناحية الشرقية خلسة ، ثم صعدنا ، هو في فرع وأنا في فرع آخر، كانت فروعها كثيفة ومتقاربة بحيث تداخلت سعفاتها في بعض ، كان الأخ جبريل نبيها كعادته ، يعمل ألف حساب قبل أن يقدم لفعل شيء ، يفلت من الورطة بحيل ماكرة ، كان في ذلك اليوم مرتديا ثيابا خضراء ، إذا نظرت إليها وسعفات الدوم العريضة تكاد لا تميزها ، فتحسبه حرباء كبيرة ( عبارة عن دنقلسود كبير )
أثناء ما نحن في أعلى الدوم جاء عمي محمد عبدون (رحمه الله ) برفقة أبنائه يثرب وأبو موسى وبعض الصبيان ، أول ما رفعوا رؤوسهم وقع نظرهم إلي ثوبي الأبيض ، أخذوا يصرخون : يا حرامي (يا ابن الكلب ، الجابك شنو هنا) وشرعوا يرسلون نحوي وابلا من الحجارة وأنا أصرخ ، اخخخخ اخخخخ وااااااي وااااااي راسي... راسي... ضهري يا نااااس كفاية حيث كانت بعضها تقع علي رأسي وبعضها على ظهري وأنا أصرخ وأنزل بشق الأنفس ، لما بلغت على مقربة منهم أخذوا ينهالون علي بالعصي والهراوات والحجارة ، تكاثرعليَ والضرب على أشده من كل الاتجاهات ، لم يكن أمامي بد من أن اقفز بعيدا خارج السور، جريت بكل ما أوتيت من قوة بعد أن أخذت علقة ساخنة .في ذلك اليوم المشؤوم .
أما جبريل فقد إختبأ بين سعفتين عريضتين وظل ساكنا بلا حراك كأنه جثة هامدة ، انصرف عمي محمد عبدون (رحمة الله عليه ) وأبناؤه بعد أن قذفوا بضع حجارة في أعلى الدوم ليتأكدوا ما إذا كان هناك أحد ، نزل صاحبنا بكل هدوء وذلك بعد أن تأكد تماما من أن المكان أصبح خاليا ، جاءني في البيت وهو يضحك مما جرى لي وأنا مغيوظ منه ، حلفت منذ ذلك اليوم ألا أخرج معه في أي مهمة تتعلق بالسرقة
نواصل .....

ود مختار
17-07-2012, 11:35 AM
الحلقة الحادية والعشرون
لظلال (الدسي كرجا) كم هوينا * * لا تسلني ذاك عهد ما نسينا
كـم تسـلقنا ذراها وهـصرنا * * العود منها في حبور وجنينا
كــم تفيأنا ظلالا فــي رباها * * وسقينا حبها حتى روينـا
ذكريات كالسـراب قد تولت * * ليتها ، يا ليتها عادت إلينا
يا نخيلا طالما ضمت صبانا * * أين سمار الليالي ؟ أين أين ؟
أين يا ذات الظلال الوارفات أين* * من بالأمس كانوا حاضرينا
خبرينا يا نخيل ،إننا فــي البعد * * بالشوق صلينا واكتوينا
نعم إننا في البعد صلينا بنار الشوق واكتوينا ، ويا ليتها تعود تلك الأيام الجميلة ، كم شهدت تلك النخلات أحداث طفولتنا البريئة ومراحل صبانا المترعة بالألق والبهجة ، المفعمة بالهناء والسرور، كم من (الخربشات) نقشنا في جذوعها ، كم من التحديات أقمنا تحت ظلالها ، لا أنسى ذلك التحدي الذي كاد يؤدي إلي إزهاق روح شقيقي عبد الهادي مختار، كان طرفه الآخر الأخ جبريل عبد اللطيف ، كان ذلك في يوم صائف من أيام الستينات ما زلت أتذكر تفاصيلها جيدا ، صعد جبريل إلي أعلى قمة من قمم نخيل( الدسي كرجا ) ، وبعد أن استقر علي قمتها أخذ ينادي عبد الهادي ويتحداه بأن يأتي صاعدا إليه إن كان له القدرة على ذلك ، كان أخي عبد الهادي عنيدا كعادته وقد استفزه هذا التحدي ، فما كان منه إلا أن نهض من مقامه واتجه نحو النخلة وطفق يصعد ويصعد وهو يسرع في صعوده إلي أن شارف القمة ، لم يبق بينه وبينها خطوة واحدة إلا وعاجله القدر المحتوم ؟ ماذا حدث له ؟ شيء رهيب ، تشخص له الأبصار، وتشيب له الولدان ، ويهتز له قلب الشجاع ، أمسك المسكين جريدا يابسا فانخلع في يده فهوى نحو الأرض تعترض طريقه نتوءات الجريد القديم وتتكسر في جسمه وهو يرتطم بها تارة ويرتطم بجذع النخلة تارة أخرى إلى أن استقر بين إحدى الفسائل وأمها محدثا صوتا انخلعت له القلوب، هرع الناس إلى مصدر الصوت فوجدوا أخي عبد الهادي منحشرا بين الفسيلة وأمها ، جاء الناس إلى مكان الحادث وفي حسبانهم أنه قد مات لا محالة ، لأن النخلة ــ كما قلت ـــ كانت ترتفع إلى علو شاهق ولكن لطف الله وعنايته كذب كل التوقعات ، سمعت بنات عمي عثمان نوري الكبريات صوت ارتطامه فجئن وهن يولولن فحملنه إلى المنزل كما يحمل الوليد وهو ما بين الموت والحياة ، كانت أمي في ذلك اليوم غائبة عن البيت كانت في سوق (الحفير) على ما أعتقد وأبي كعادته كان في الحقل ، اجتمع خلق كثير من أهل القرية والقرى المجاورة ما بين باك ومذهول ومشفق ، كان عبد الهادي يبكي بأعلى صوته ويستبكي الناس حوله وهم كأنما يحسون بألمه ، قضينا ليلة عصيبة مشحونة بالسهر والألم بسبب هذا التهور الطائش ، أحضر بعض الحاضرين عميد حلة (النور مار) البصير إدريس النور، كان في نحو الثمانين من عمره ، جاء في تمهل وهو يتوكأ عصاه وجبر الكسر حيث كان في يده اليمنى ، لكن ظل بكاء عبد الهادي يمتد ويتصل طوال الليل حتى أقلق الناس ، فذهبوا إلي عمي البصير( حسن مسي) فجاء وأرخى الرباط فنعم بالراحة قليلا . أما صاحبنا جبريل فظل في مكانه ساكنا كالحجر ، أصيب هو الآخر بالذهول وبلغ به الخوف مبلغا عظيما ، هم أحد الحاضرين بأن يصعد أليه ويلقنه درسا لا ينساه ولكن أحد عقلاء القرية طلب منه أن يتريث وطلب من الناس ألا يقتربوا من النخلة التي هو في أعاليها ، لأنهم إن فعلوا ذلك ربما يلقي هو الآخر بنفسه من علاه وتكون المصيبة مصيبتان، اقتنع الناس بكلامه وتركوه حيث هو ، وبعد أن تأكد من أن الناس انفضوا من تحته وخلا له الجو أخذ صاحبنا ينزل ببطء وحذر شديدين ، يقدم خطوة ويؤخر أخرى وهو في خوف ووجل وهكذا إلى أن وصل الأرض بسلام ، ما أن مس قدماه الأرض حتى أطلق ساقيه للريح ونجا من العقاب، هذه واحدة من الأحداث الكثيرة التي ارتبطت بتلك النخلات
هذه واحدة من الأحداث الكثيرة التي ارتبطت بتلك النخلات . سقى الله عهد ذاك الصبا ، فقد ولى وولت معه تلك النخلات ، جئنا إلى الوجود فوجدناها كما هي شاهقة تعانق عنان السماء في شموخ وكبرياء، لكنها لم تسلم هي الأخرى من عاديات الدهر وتقلبات السنين ، فأخذت تودع دنيانا الفانية واحدة تلو الأخرى حتى أصبحت أثرا بعد عين ، في إحدى رحلاتي إلي البلد جئت إليها وتخيلتها كأنها توشوش إلي بسعفها المتهدل وترفع إلي جريدها لتعانقني ، يشهد الله إني بكيت في سري كما لم أبك من قبل .
ونواصل ...

ود مختار
18-07-2012, 08:44 AM
الحلقةالثانية والعشرون
لا أنسى ما أنسى موقفا آخر لعبد الهادي كان لا يقل خطورة عن الوقوع من النخلة حيث دخل في تحد آخر هذه المرة مع شقيقي الأكبر بلال مختار وعثمان عبد الرحيم في من يقطع أطول مسافة سباحة وكاد يغرق لولا أن تداركه الناس في الرمق الأخير، كان دائما يورد نفسه في المهالك بسبب عناده وتهوره ، مرة ينجو من حادثة النخلة ومرة أخرى ينجو من الغرق وثالثة من فأس كاد يقطع يده وهو يحشرها في جذع نخلة قديمة لينظف المجرى أثناء ما كان يهوى أحدنا بالفأس ، وذلك في منزل عمي شرف الدين مكاوي (رحمه الله عليه) ورابعة ضربته أمي بسمكه كان أحضرها وأزعج بها حيث كانت تكره طهي السمك ، ضربته أمي بها فانكسرت شوكتها في عضده وخامسة نجا بأعجوبة من غرق محقق وهذه المرة لإنقاذ جبريل عبد اللطيف وكمال إبراهيم ، نزل جبريل في ذلك اليوم إلى النهر ولم يكن يجيد السباحة فغرق ، أخذ يطفو فوق الماء مرة وهو يلوح يده ثم ينزل إلي القاع مرة أخرى ، ونحن في الشاطيء نصرخ ونصيح بأعلى أصواتنا لعل أحدا ما ينجدنا ، فما كان من عبد الهادي إلا أن خلع ملابسه ونزل وراءه ، ما أن مد إليه يده حتى تشبث بها ولم يترك لها فكاكا وكادا يغرقان لولا أن مددنا له أيدينا إنا ونجم الدين عثمان من على اليابسة حتى أنقذنا كليهما ، أما أخونا كمال فكان متشبثا بعوامه من عناقيد العشر كنا نسميها ( الشرشري ) وأبحرت به وهو يصيح من شدة الخوف إلى أن وصلت به إلي مكان آمن ولولا لطف الله وعنايتة لأصبح في خبر كان .
نعود إلي الحادثة الأولى ، تضاعفت أعبائي بعد أن أصيب عبد الهادي وأصبح طريح الفراش لعدة أيام ، حينا تراني أورد الأبقار للماء صباح مساء ، وأخرى أجوب السواقي طلبا للقش ، وثالثه أسعى لأجلب الحطب ، ورابعة أعبر النهر إما شرقا أو غربا وأنا أحمل أكياس القمح للطاحونة ، و.. و.. إلي أخره من الالتزامات الكثيرة التي لا تنتهي ، تعبت كثيرا من حمل هذه المسئوليات التي أثقلت كاهلي ، كثيرا ما فكرت أن أهرب ولكن إلى أين ؟ هل أهرب إلي الخرطوم بجلدي وأعبر النهر بعد أن يحل الظلام واربط في طريق اللواري لتحملني معها للخرطوم كما كان يفعل كثير من الشباب عندما تضيق بهم الأرض بما رحبت بسبب ضغوط الحياة وقسوتها ؟ أم أرضى من الغنيمة بالإياب كما يقولون ؟ ما لي وللسفر والترحال وتجشم المشاق ، وأنا في عمر لا يسعفني على المخاطرة لأمر لا يعلم عواقبه إلا الله ، ثم من أين لي المال أصلا ؟ ، فأنا صبي أفلس من فأر المسيد ، المهم طردت هذه الفكرة من مخيلتي ، جاءتني فكرة أخرى ، قلت مالي لا أذهب إلي جزيرة (أورنارتي ) ، هذه الجزيرة يا إخوتي واحدة من امتدادات جزيرة آرتقاشا ، ترقد في الجزء الجنوبي منها على امتداد طولي ينتهي طرفها الغربي عند مشارف جزيرة (بلنارتي) وأما طرفها الشرقي ينتهي عند استراحة (مستر لنقي ) قبل أن تنحني قليلا إلى جهة الشمال لتمد عنقها بكبرياء كأنها جمل أورق تريد اللحاق بأختها الكبرى (قاشا) ، يفصل بينهما نهر صغير يجرى من الغرب إلى الشرق يقطعه الناس خوضا في موسم الصيف ، كانت إلى وقت قريب تكسوها غابات السنط والطرفة ترتع خلالها الثعالب والأرانب والكلاب الضالة وتتوافد عليها أسراب الطيور من كل لون وجنس لتتخذها مسرحا ومقيلا ، تتمايل الأغصان المثقلة بها مع هبات النسيم لتعانق صفحة الماء في نشوى فتهتز المكان بأنغام الطيور الصادحة وخرير الماء المتدفق من الجداول ، ثم يأتي المساء بكل ألقه ورونقه ليلقي عليها أشعته الذهبية المتلألئة لتمتزج الرؤى والظلال والصور فتبدو في أبهى حلة وأجمل منظر مشكلة لوحة رائعة تعجز الأقلام في وصفها وتحتار العقول في كنهها ، إنها لوحة المبدع الخلاق الذي أتقن كل شئ وأحسن تفصيلا ، إذن قررت زيارتها عندما تكاثرت على الهموم حيث وجهت رحلي إليها لقضاء وقت ممتع هناك أنعم في رحابها بالراحة وأكل (القنقري) قندول عيش الريف المحمر ، كنت أسمع عن البطولات التي خاضها أهلي وهم يحدثوننا بنوع من الزهو والكبرياء وكيف أنهم بذلوا المهج والأرواح في تخليصها من براثن بعض الغزاة الطامعين من جهة (أرقو) بعد أن كادوا يمزقون أوصالها ويوزعونها غنيمة سائغة فيما بينهم ، وكيف أنهم بقيادة السيد محمد الحسن الإدريسي (رحمه الله عليه) ونفر كريم من أهلنا أن يستردوها معززة مكرمة ، ضربت إليها أكباد الإبل وكدت أقتل نفسي في طلابها ، ربطت في طريق (الترابلة) ، رجوتهم أن يحملوني أليها ، أردفوني معهم على ظهر إحدى الحمير ، لا تسألني يا صاح عن شعورى وأنا متجه إليها في سعادة لا تحدها حدود وشوق لا يوصف ، لا أبالغ يا إخوتي إن قلت لكم ، إن شغفي أليها كان أشد من شغفي للخرطوم ، كم من المرات كنت أجلس في طريق (الترابلة) وأغني بطريقتي الخاصة وأقول :
لو مشيت (أورنارتي) ــــــ جيب لي( مكادة ) معاك
وها أنا ذا أقطع الحلال والقرى إبتداءً من( فروشن مار) إلى (أبوزيدن مار) حتى وصلت مضارب الشيخ عبده عرمرم (رحمة الله عليه ) في أقصى الجنوب ، جئت أليها ووجدتها خضراء ، تنضح بالحسن والجمال كعروس في ليلة زفافها ، جئت إليها وأطيار الخريف يبنين وكرا ، جئت إليها والأرض البكر تتهيأ للماء ، ارتميت في حضنها كطفل فارق أمه منذ أمد بعيد ، وجدتها هي وأختها الكبرى( قاشا ) تذوبان في عناق أبدي ، قضيت سحابة يومي هناك دون أن استأذن من أبي أو أمي ، بحثوا عني كثيرا ، سألوا أقراني لعلهم يجدوا لي أثرا ، أما البهائم في أثناء غيابي كادت تأكل بعضها من شدة الجوع ، فيا ليتني حملت معي حزمة من القش أو الحطب كما يفعلها الناس حتى أشفي غليل أبى ، بلغ الغضب بأبي مبلغا عظيما على الرغم من طيبة قلبه وسعة صدره ، أما وفي هذا اليوم فقد تحول إلي شيء آخر، أخذ يترقب مجيئي بفارغ الصبر ، فقد كمن لي في ناحية من البيت ، جئت مع آخر النهار بخطى متثاقلة أجرها جرا ، دخلت البيت خلسة ولم أحسب لما يخبؤه لي القدر، أحسست بعصي غليظة تهوى في قفاي ، بعد ذلك لم أدر ما حدث لي في حينها إلا بعد أن استفقت من تأثير الضربة .
ونواصل ....

ود مختار
20-07-2012, 11:13 AM
الحلقة الثالثة والعشرون
ضربة واحدة أفقدتني توازني , وجعلتني أترنح ذات اليمين وذات الشمال كالشارب الثمل ، قبل أن استفيق منها وجدت أبي قد أغلق باب الحوش بإحكام وكان عادة تبدأ إجراءات العقاب هكذا ، أخذ يطاردني داخل فناء البيت كما تطارد الفريسة تعينه في ذلك أمي ، يشهد الله كم من الكبابي والصحون حطمتها في ذلك اليوم وأنا أتفلت منهم ، مرة حاولوا حشري في أحد أركان (الديوكا ) المطبخ ، في أثناء عدوي ضربت برجلي الإناء الفخاري الخاص بالعجين ( الإشري ) فانكسر في الحال واندلق منه العجين في الأرض ، حاولت أن أقفز لأتخطاهما ولكني هذه المرة وقعت فوق حلة ملاح الويكة فسال على وجهي ويدي ، زاد ذلك من غيظهما لأنني ألحقت خسائر فادحة بأواني البيت وقوت الأسرة التي بذلت أمي في إعدادها ما بذلت ، استشاط أبي غضبا وزاد من هجماته تحت وابل من اللعنات والشتائم ، قبضني من يدي ولكن انزلقت يده بفعل الملاح ولم يتمكن فصار يلعن الويكة ونهار الويكة التي حالت بيني وبينه ، والصراع يبلغ أشده وأنا أتفلت منهم محطما كل ما يقف في طريقي ، وهكذا كلما يشتد الهجوم والمطاردة كلما تزداد الخسائر فداحة ، أخيرا أحكم علي الطوق في أحد الأركان فقفزت كالخروف ووقعت فوق عنقريب العدة محطما إياه والكبابي والصحون المرصوصة عليه بعناية ، انحشرت رجلاي خلال فراغات الحبل ، حاولت سحبهما بسرعة ولكن تلك الحبال اللعينة لم تدع لي فرصة النجاة ، هنا انقضا علي ، أخذت الضربات تنهال علي رأسي من كل الجهات تارة من أبي وأخرى من أمي التي طالما أجادت استخدام خيط (السوركا ) في العقاب وأنا أصرخ واااي واااي واااي حتى سمعت صراخي عمتي آمنة زبير (رحمة الله عليها ) جاءت تهرول من منزلها ووجدت باب الحوش موصدا أمامها ، أخذت تناشد أبي من خلال طاقة الباب وتقول له : يا مختار يا كلتوم، (إنتو حتقتل الجنا ؟ إنتو ما عندكم رحمة ، كفاية كفاية ، الله يهديكم كفاية) ، وهما يواصلان في الضرب لا يلتفتان إلي مناشداتها اليائسة ، حاولت اقتحام الباب والولوج ولكن محاولاتها باءت بالفشل ، لما أعياها الوصول أخذت تصرخ مستنجدة بأهل الحلة حتى اجتمع عدد منهم وهددوا بخلع الباب والدخول عنوة إن لم يستجيبا لهم ، بعد ذلك تركاني ، انطلقت خارجا من جوف البيت كقذيفة منطلقة من فوهة المدفع .
رحمة الله على عمتي آمنة زبير رحمة واسعة ، أنجدتني في اللحظات المناسبة ، كانت عطوفة بنا ، كانت تحسبنا كأننا أولادها بالضبط ، كم من المرات كانت تأتي إلينا بما لذ وطاب من التمر والطعام ، وكم من المرات كانت تتدخل لفض الاشتباك بيني وبين شقيقي الأكبر عبد الهادي ، وكم من المرات أعدت الزاد بيديها الطاهرتين وحملته إلينا ونحن نغادر الجزيرة إلي داخليات مدارس مشو الثانوية ، مازالت دعواتها ترن في أذني وهي تودعنا ، كم كانت تمني نفسها بأن ترانا ونحن نتبوأ أرفع المناصب قبل أن تعاجلها المنية ، كانت امرأة صالحة وذات شخصية قوية ، أسأل الله أن يجعلها في العليين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
المهم أخيرا تم تحريري من براثن أبي وأمي ، لعمري إنه لأول مرة أرى أبي يغضب مثل هذا الغضب ، وإنه لأول مرة أنال عقابا مبرحا بهذه الصورة ، وإنه لأول مرة عرفت قيمة وأهمية الالتزام بما يوكل على الأبناء ، وإنه لأول مرة عرفت ما معنى التفريط في أداء المهام وما يترتب عليها ، كل هذه الأمور وعيته جيدا في ذلكم اليوم الأسود كما وعاه غيري ، كان درسا قاسيا لي وعبرة لمن لم يعتبر.
جلست ــ بعد هذه العلقة الساخنة ــ على مسطبة دكان عمي محمد عبد الكريم ( تكروري ) رحمة الله عليه وأنا أمسح دموعي بطرف ثيابي المهلهل أترقب خروج أبي من البيت في أي لحظة حتى أشفي غليلي منه ، أخذت حجرا وانتظرته حتى إذا ما خرج ووقف على الباب ينظر إلي حيث أكون ، أطلقت الحجر بكل قواي فجاء على جبهته تماما كأنما أرسل من بندقية قناص ماهر، مال على قفاه من شدة الضربة وكاد يقع لولا أن ثبته الجدار، ماذا حصل بعد ذلك يا أخوتي ؟ مطاردة عنيفة فيها ما فيها من المخاطر والمواقف الدرامية المضحكة ، شرع يجري خلفي ليقبض علي ، ولكني انطلقت كالسهم أعدو أمامه وهو يعدو خلفي حتى بلغت الركن المحاذي( لباشندرب ) من منزل عمي شرف الدين مكاوي ( رحمة الله عليه ) هناك ظهرت كالبرق ــ وأنا أقطع الشارع ــ أمام رجل على حماره وهو قادم من ناحية الشمال ، فجفل الحمار وكاد يسقط الرجل لولا أن تماسك حيث أنه لم يحسب لهذا الأمر أي حساب ، سمعته وأنا جاري يلاحقني بوابل من اللعنات والشتائم ويرسل حذاءه ورائي ، لم آبه للعناته وشتائمه ، بل واصلت العدو، قفزت السور الفاصل بين منزل عمي محمود نصر بلال (رحمه الله عليه) وعمي آدم عثمان هرون (رحمة الله عليه ) ، وقعت في الجانب الآخر ، يا للهول !! ماذا حدث ؟ وقعت كالصاعقة فوق كوم من الدجاجات والسواسيو الوادعة ، الله يعلم كم من السواسيو فجختها ، وكم من الدجاجات التعيسة الحظ أزهقت روحها ، شب كلب شرس كان بالجوار على كم العراقي ولم يتركني ، وقعت في صراع مرير معه حاولت جاهدا الفكاك منه قبل أن يلحقني أبي ، أه ماذا فعلت يا ربي لتمتحنني بهذه المصائب ؟ ، سمعت أختي فاطمة علوان ( أطال الله في عمرها ) تقول : ( أر نيتي ... أر نيتي ) تعني بقولها ، من أنت ؟ من أنت؟ لم أرد عليها لأني مشغول في صراعي مع هذا الكلب العنيد ، أخيرا بعد قتال شرس طلعت من المعركة بأقل الخسائر حيث فقدت كم العراقي ( وكان من أصله مهترئا ) مع بعض العضعضة والكدمات الطفيفة ، واصلت العدو إلي أن بلغت منزل محمد شريف نصر بلال ( رحمة الله عليه ) قلت أجلس قليلا في المسطبه لألتقط أنفاسي حيث بلغ بي الجهد مبلغا عظيما ، بينا أنا كذلك إذ ظهر أبي وفاطمة علوان والكلب ، هجم ثلاثتهم على شخصي الضعيف ، انطلقت أعدوا كالبرق نحو لبخ السيد الحسن الإدريسي ( رحمة الله عليه ) وتجاوزته إلي أن بلغت ( أرجيلن مار ) واختفيت بين حواريها وأزقتها الضيقة ، قضيت يومي كله هناك ألهو وألعب مع أخي نجم الدين عبده سيد احمد حيث لم يكونوا قد رحلوا إلي البرقيق آنذاك ، أما أبي فلم يجد لي أثرا وأخذ يبحث عني دون جدوى ، ولما أعياه التعب رجع إلي البيت لينتظرني هناك عند مغيب الشمس حيث سيكون له شأن آخر معي ، إلي أين أفر منه يا ترى ؟ شرعت ألعب وألعب إلي أن غابت الشمس وصلى الناس المغرب ، فكرت أن أرجع إلي البيت ، ولكن أبي يترقبني هناك ويقف لي بالمرصاد
ونواصل ...

ود مختار
21-07-2012, 02:09 PM
الحلقة الرابعة والعشرون
ظللت أماطل حتى صلى الناس العشاء وأنا أتردد ما بين الذهاب إلي البيت والمبيت خارجه ، لم أخبر صاحبي بما هو حاصل ، ولو كنت أخبرته لساقني معه لكن قلت في نفسي ربما يراني والده ويخبر أبي بوجودي معهم خاصة أنه سمع أن أبي كان يبحث عني ساعات النهار، انقطعت الحركة ، وهدأت السابلة ، وأوى الناس إلى مضاجعهم ، بما فيهم صاحبي نجم الدين الذي كنت أجد سلواي معه ، ذهب هو الآخر إلي منزله و تركني وحيدا ، جاءتني فكرة ، قلت : أذهب وأتسلق سور الحوش الشرقي في منزلنا وأنزل بكل هدوء وأنام وعند الصباح الباكر قبل الأذان بقليل أتسلق الحوش مرة أخرى وأعود إلي حيث كنت ، لا من شاف لا من درى ، بالفعل جئت إلي الناحية الشرقية ، رفعت رأسي لأرى ما إذا كان أبي نائما أو صاحيا ، رأيت الأسرة كلها تغط في نوم عميق ، تسلقت الحوش بهدوء وحذر شديدين وصرت أمشي على أمشاط أصابعي إلى أن بلغت محاذاة القسيبة الكبيرة القابعة في آخر الركن الشمالي للحوش ، زحفت نحوها لاستند عليها وأنا نازل إلي الأرض ، وضعت إحدى رجلي على الغطاء ، يا للغباء والتسرع!! لم أكن أفطن أن غطاء القسيبة هشا لدرجة أنه لا يقوى على حمل غلام صغير ناهيك عن حمل صبي شقي الحال مثلي ، يا الهي ماذا حصل لي ؟ إنه شيء رهيب ، ما بين طرفة عين وانتباهتها وجدت نفسي في قاع القسيبة وفوقي كتل الغطاء المنهارة، ضربتني إحداها على قفاي ضربة مؤلمة وأحدثت دويا ، استيقظ على أثرها أبي مذعورا من نومه وهو يقول : ( أرنيتي ... أر نيتي ) ،اتجه إلي ناحية القسيبة وأخذ ينظر يمنة ويسرة ، لو نظر إلي داخل القسيبة لرآني ولكن الله صرفه عن ذلك ، سمعت أمي تقول له : ربما هذه حركة صراع قطط فلاح خليلي ( رحمة الله عليه ) دائما ما تتعارك في هذا المكان ، اقتنع بكلامها ورجع ، سمعته وهو يمر بالقرب من سريري الخالي وهو يقول : لم يحضر هذا المطلوق بعد سألقنه درسا لم ينساه طيلة عمره ، (أنا وراه والزمن طويل ، ولد نجس ما عندو أدب)
أما أنا فظللت قابعا في مكاني كجثة هامدة ، أريد أن أصرخ من شدة الألم من جراء الضربة التي تلقيتها من بقايا كتل الغطاء المتساقطة على أم رأسي وفي نفس الوقت خشيت أن يوقظ ذلك أبي من نومه مرة أخرى ، كتمت آلامي بقدر الاستطاع ، أخذت أفكر في الطريقة التي تخلصني من هذه الورطة ، قلت : أحاول الخروج بأي ثمن فليكن ما يكن ولكن طردت هذه الفكرة من رأسي لأنه ربما ينكشف أمري فتحصل لي ما لا يحمد عقباه ، وإذا قررت المبيت داخل القسيبة فما أطول الليل !! وما أشد وطأته !! وحسبك الأمرين أحلاهما مر، ضربت أخماسا في أسداس، ولما لم أجد بدا من ذلك توكلت علي الحي القيوم الذي لا يموت وفوضت إليه أمري وعزمت على المبيت في مكاني ، أسندت رأسي فوق إحدى الكتل المنهارة ووظللت ما بين اليقظة والنوم ،( سهر الجداد ولا نومو) إلى وقت الضحى ، بعد أن تأكدت من انصراف أبي إلي الحقل وأمي إلي الجيران لجلب الماء ، وعبد الهادي كان في هذه الأثناء قد انتقل إلي الداخل ، هنا خلا لي الجو ، رفعت رأسي كما يرفع السلحفاة رأسه في لجة النهر ، وجدت المكان خاليا ، قبضت حافة القسيبة وصعدت إلي ألأعلى ومن ثم قفزت خارج السور وانطلقت أعدو حتى اختفيت وسط غابة النخيل المجاورة ، لم أظهر ذلك اليوم ، أمي بدأ يساورها القلق، وذهب أبي يبحث عني في الحلال المجاورة ، أخذ يسأل الناس ، بعضهم يقول له : إنه رآني بالقرب من شاطيء النهر، وأنتم يا أخواني تعلمون جيدا ما يتركه مثل هذا القول في نفسيهما ولا سيما أمي حيث تذهب بها الخيال مذاهب شتى ، ومنهم من يقول: إنه رآني آخر مرة في حواري وأزقة ( أرجيلن مار ) ومنهم من يقول : إنه رآني آخر مرة وأنا أعبر النهر إلى جهة مشو و.. و.. أصحبت مسألة البحث عني أهم من مسألة العقاب نفسه ، تصادف ذلك اليوم وجود جدي عبد الرحمن صالح حماد (رحمة الله عليه ) جاء لزيارة الأسرة كعادته بعد صلاة الجمعة وفي صحبته خالي طاهر عثمان وصالح حماد وآخر لا أذكره ( رحمة الله عليهم جميعا ) وسمع بما حدث لي وأرسل في طلبي بعد أن تأكد من مكان وجودي عن طريق أحد أقراني ، جئت إليه وأنا أتصبب عرقا من شدة الخوف ، كان رجلا مهاب الجانب ، يحترمه الكبير والصغير، كلمته نافذة ، لا يفلت من قبضته أحد ، أجلسني أمامه وطلب مني أن أحكي له ما حصل ، رويت له القصة كاملة ، ضربني بالسبحة على رأسي بعنف وأقسم بالثلاث إن سمع عني شيئا لم يعجبه ليحضرن بنفسه ويعاقبني عقابا لم يعاقب أحدا من قبلي ولا بعدي ثم سمعته يكلم أبي ويناشده بعدم معاقبتي لأن ذلك ربما سيورد الصبي إلى المهالك خاصة أنه ما زال يافعا لم يجرب الحياة بعد وفي آخر كلامه وصاه بأن يلحقني بخلوة الشيخ عباس عبد الله نورى ( رحمه الله ) لعل قراءة القران واهتمام الشيخ به يثيبه إلى رشده ، كان ذلك يوما مفصليا في حياتي
ونواصل .....

ود مختار
22-07-2012, 10:10 AM
الحلقة الخامسة والعشرون
عمل أبي (رحمه الله ) بما وصاه به جدي عبد الرحمن صالح حماد (رحمه الله ) ، ذهب في اليوم التالي إلي دار الشيخ عباس عبد الله نوري ( رحمه الله ) كان شيخا ضريرا ومعلما للصبيان ، كان رجلا متوسط الطول ، مربوع القامة ، تشع من محياه نور الوقار وتبدو عليه مخايل التقوى والصلاح ، وهو واحد من الذين حملوا كتاب الله بين جنبيه ، يتحدر من فمه عذبا كسلاسل الذهب ، وأذكر أنه كان يصحح الأمام رافعا صوته الجهوري وهو في آخر الصف إذا ما تعثر في قراءته أثناء صلاة الجمعة والحق أقول يا إخوتي أن رجال( سوارنمار ) أغلبهم على شاكلة الشيخ عباس ، كيف لا ؟ فقد جمعت هذه الحلة السواراب والزياداب وأحفاد الشيخ عووضة شكال القارح ذرية بعضها من بعض من أمثال الشيخ أبيض فقير وأخوه الشيخ محمد فقير وابن عمهما الشيخ عوض مصطفى ذلكم الأزهري الوقور وابن عمهما الآخر أحمد عباس بدري الذين اشتهروا بعذوبة الصوت وحسن التجويد وبراعة القراءة ,وكذا الشيخ ساتي زيادة ..
ذهب أبي إلى دار الشيخ عباس وطلب منه أن يقبلني في خلوته العامرة لعل الله يفتح على ابنه بالهداية ولعل قراءة القرآن وحفظه يطرد هذا الجن الراكب عليه وأنه أخذ ــ من يومه ــ على نفسه ألا يشغلن الصبي عما هو فيه من إقبال على تعلم القراءة وحفظ القرآن ، وفي المقابل كنت فرحا مختالا وأنا أروح إلى الخلوة أول النهار وأعود منها آخر النهار جزلان مبتهجا ، وكيف لا أكون جزلان مبتهجا ؟ وأنا أشعر منذ اليوم الأول بأنني ألج عالما آخر وأخوض تجربة مختلفة تنتظم نمط حياتي ، تجربة العلم والانقطاع إلي قراءة القرآن وحفظه ، كنت أذهب إلي الشارع الرئيسي ( الباشندرب ) وأترقب قدوم موكب الشيخ على حافة الطريق كما كان يفعله جميع صبيان الحلال الأخرى ، وما هي لحظات حتى ظهر الموكب من بعيد وقد بلغ محاذاة منزل عمي حاج بشير فضل ( رحمه الله ) ها هو الشيخ يبدو في أحسن هندامه ، جلباب أبيض ناصع البياض يعتجر عمامة بيضاء بمثل لون الجلباب وتزين كتفيه ملفحه من ثياب فاخر، يسعى من بين يديه وخلفه كوكبة من الحيران ، أتذكر منهم أخواني عبد المنعم محمد عبد الله وعابدين عثمان ميرغني وعبد الفتاح حمد عبدون ونصر الدين عمر وعبد الله محمد محجوب وأخوه جعفر وآخرون كثر من( طمبل مار) و (هارون مار) بينما عبد الله حاج سهولي (عبد فور ) يأخذ بيد الشيخ والموكب يتهادى نحوي في هيبة ووقار ، يقبل إذن موكب الشيخ وأنضم في ركبه ونتجه معا صوب الخلوة الكائنة في دار السيد الحسن الإدريسي ( رحمه الله ) حيث كان قد خصص جزءا منها لقراءة وتحفيظ القرآن وقد تعاقب عليها نفر كريم من الشيوخ والحفظة وتولوا أمر رعايتها ، أذكر منهم الشيخ علي محمد حاج (بيوضي ) الذي طالما سمعت لخطبه الآسرة وهو يجلجل بصوت تهتز له أعواد المنبر وتعتصر القلوب اعتصارا ، ألا رحم الله ذلك الشيخ وأمثاله ، وصل الموكب باحة الزاوية وقد انتظم الحيران في صفوف ، تبدأ الافتتاحية بالنشيد الصباحي : نحن نمشي في الدروس ــــ وا من الله النجاح
يدخل الشيخ الساحة ويؤدي هذا النشيد بصوت جميل محدثا فرقعة جميلة بأصابعه ، وهو يهرول مرة ذات الشمال ومرة ذات اليمين والحيران يرددون معه في نشوة وحبور ، بعد ذلك ندخل إلي الخلوة فنتوزع في حجراتها ، الحيران اللذين نالوا حظا من الحفظ يمكثون في الحجرة الداخلية مع الشيخ ، أما الحيران المبتدئون فيمكثون في البرحة الخارجية للخلوة حيث يتلقون مباديء القراءة والكتابة على يد العريف ( مساعد الشيخ ) عبد الله حاج سهولي بينما ينشغل الشيخ مع بعض كبار حيرانه في الداخل ، لم تكن هناك سبورة ولا كراسات ، كان الدرس اليومي يعد ويكتب على صندوق شاي قديم ويحمل إلي الخلوة مع موكب الشيخ في الصباح ، كان الحيران يكتبون على التراب وهم يقلدون ما كتب على الصندوق أمامهم ، يكتبونها ثم يمسحون ثم يكتبونها مرات ومرات ثم يعيدونها أخرى بعد أن يقلب صندوق الشاي إلى الجهة الأخرى وهكذا ، كان الحيران يأخذون قسطا من الراحة ليتناولوا بضع تمرات ويشربوا عليها قليلا من الماء ثم يعاودون الكرة وفي هذه المرة يشرعون في قراءة القرآن ويخصص لهم بعض سور جزء تبارك وجزء عم وتسميعها لدى الشيخ في اليوم التالي ، يأتي الشيخ ويأخذ مكانه وسط الحيران وفي يده سوط (قطعة من سير المكنه ) وينادي على من عليه التسميع، يأتي إليه وقد تصبب عرقا من فرط الخوف ويمثل بين يديه ويشرع في التسميع والشيخ يصغي إليه باهتمام حتى إذا ما وقف وعجز أن يخطو إلي الآية التالية يشد الشيخ رأسه إليه وينهال عليه ضربا باليمين ، كان الشيخ من عادته يجلس مفترشا الأرض وهو يسد العتبة الفاصلة ما بين الحجرة الداخلية والخارجية حتى لا يدع مجالا للحيران الذين يأتون متأخرين ليتخطوه ، من الطرائف الذي حكاه لي ممن تلقوا العلم في هذه الخلوة أن أحد الصبيان ـ وكان ماكرا ـ جاء ووجد الشيخ يسد العتبة ، ذهب إلى ناحيته على أمشاط رجليه دون أن يحدث أي صوت واقترب منه وأخذ يستند الجدار المحاذي للشيخ مباشرة يمسكه بيديه ويرفع رجله رويدا رويدا في هدوء تام ليتخطاه دون أن يمس الشيخ والحيران ينظرون أليه في استغراب تصاحبه ضحكات مكتومة لا يجرؤ أحد أن يخبر الشيخ لأنه إن فعل ذلك سيعاقبه الشقي ويجعل يومه أسودا بعد انتهاء الدوام حيث كان القوي يفرض سيطرته ، وإثناء ما هو يرفع رجله أحس به الشيخ وانقض عليه وعرفه من فوره ومن غرائب الأمور أن هذا الشيخ كان يعرف الإنسان من صوته بل ومن لمسة يده ووقع أقدامه ، ناداه باسمه فأجابه : نعم وهو يفرفر بين يديه ، قال له : أتريد أن تتخطاني لتفلت من العقاب ؟؟ ثم أردف قائلا : سأريك ما لم تره في حياتك ثم أدخله في الغرفة الداخلية للعقاب ، لا أقول أنه أشبه ببيوت الأشباح المعروفة للحكومات الديكتاتورية في العالم العربي ولكن غرفة شيخنا كانت مرعبة أدخل صاحبنا في غرفته تلك ،
ما أذكره جيدا هو لحظة خروج صاحبي من غرفة الشيخ بعد العقاب ولن أنسي هيئته لأن جسده كان مخططا مثل جلد (حمار الوحشي) بفعل سوط شيخنا اللاذع ذلك السوط الذي كان يشبه ذيل الكلب لم أراه قط مستقيما لأنه (رحمه الله) كان يلفه ويضعه في جيبه
ونواصل ...

ود مختار
27-07-2012, 01:22 PM
الحلقة السادسة والعشرون
فأما أنا أخذت على نفسي في بادي الأمر بالقراءة والحفظ على أحسن ما يكون ، كنت أتي إلى الشيخ من غده ليراجعني ما حفظته ، كان التسميع عسيرا شاقا ولكني كنت نجيبا بارعا ، لم يسألني عن شيء إلا أجبت عليه في غير ما تردد أو خوف وأقرأ له القرآن في إسراع كالماء الجاري حتى كان يقول لي : (على مهلك فإن الكر في القرآن خطيئة ) حتى إذا ما أتممت له القرآن قال لي : فتح الله عليك ، اذهب إلي أبيك فقل له إني حفظت جزء تبارك ، منذ ذلك اليوم أصبحت حافظا لجزء من القرآن ولما أتجاوز السابعة من عمري ، منذ ذلك اليوم أصبحت أمي تخاف علي من العين ، ما أكاد أخرج إلى الخلوة حتى تنهض إلي جمر وضعته في إناء وأخذت تلقي فيه ضروبا من البخور وتطوف به البيت حجرة حجرة ، تقف في كل حجرة وتهمهم بكلمات وتظل كذلك حتى أعود إليها فإذا هي تتلقاني من وراء الباب مبخرة مهمهمة .
أما أبي فقد كان سعيدا غاية السعادة بأن ابنه قد أصبح من الحفظة وأنه أصبح شيخا ويحق له أن يتباهى بابنه وان يحلو له من بعد ذلك الحديث في المجالس عندما يتحدث الناس عن الخلوة والشيخ ، ظللت على هذا ردحا من الزمن حتى وجد السأم طريقا إلي نفسي ، وما هي أيام حتى أخذت جذوة الحماس تخبو رويدا رويدا ، إذن أبت نفسي القلقة على الإقبال لقراءة القرآن ، انصرفت إلي ضلالي القديم وتبخرت تلك السور التي حفظتها والشيخ يجهد نفسه ويحملني على إعادة حفظها حملا وهو يذيقني كل يوم صنوفا من العقاب وألوانا من التقريع وأنا سادر في غيي لا ألتفت إليه ، والحق إنني كنت أشعر بنوع من الكبت ، وأن هذه الخلوة أخذت تحد من حريتي ، وأن طوقا من الرقابة قد ضرب حولي ، وأن كل خطواتي قد صارت مرصودة ، كيف لا تسأم هذه النفس التي تعودت الحرية والانطلاقة ؟ طفقت أذهب إلي الخلوة وأعود لأقضي طوال النهار في لهو ولعب متصل ، مضى على هذا شهر وشهر وشهر ، أذهب وأعود من غير طائل وأبي واثق بأنني ما زلت أجتهد في حفظ القرآن وأمي مطمئنة إلي ذلك أيضا إلى أن جاء اليوم المشئوم .... كان هذا اليوم مشئوما حقا ، ذقت فيه لأول مرة مرارة الخزي والذلة وكرهت الحياة ، عدت من الخلوة ذلك اليوم ولم أكد أدخل الدار حتى دعاني أبى ، أقبلت عليه ومعه رجلان فتلقاني مبتهجا وأجلسني في رفق وسألني أساله عادية ثم طلب مني أن أقرأ له سورة المزمل حيث كان يحفظ قدرا من القرآن ويحكي للناس أنه ترك الخلوة وقد بلغ سورة فاطر ، وما هي إلا أن وقع علي هذا السؤال وقع الصاعقة ، فكرت وقدرت وتحفزت واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وسميت الله الرحمن الرحيم ولكني لم أذكر من سورة المزمل إلا أنها تبدأ ب (يا أيها المزمل) فأخذت اردد مرة ومرة ومرة دون أن أستطيع الانتقال إلي ما بعدها، فتح علي بما يلي هذه الآية من سورة المزمل فلم استطع أن أتقدم خطوة ، قال اقرأ سورة الجن : فذكرت أن أول سورة الجن ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ... ) وأخذت أردد هذه العبارة ، ففتح علي بما يلي هذه الآية فلم استطع أن أتقدم خطوة أخرى ، قال فاقرأ إذن سورة الإنسان ، فذكرت أن أولها ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) وكالعادة وقف حمار الشيخ في العقبة أخذت أردد ولم يفتح علي هذه المرة ولكنه قال في هدوء : قم ، فقد كنت أحسب أنك حفظت شيئا من القرآن أما وفي هذا اليوم فقد سودت وجهي وخيبت ظني فيك ، فقمت خجلا أتصبب عرقا وأخذ الرجلان يعتذران عني بالخجل وصغر السن ،
ومهما يكن من شيء فقد أمسيت هذا اليوم شر مساء ولم أظهر على مائدة العشاء ، ولم يسأل عني أبي ، دعتني أمي أن أتعشى معها فأبيت وانصرفت عنها لأنام ، ولكن هذا المساء المنكر في جملته لم يكن بأحسن من الغد ، ذهبت إلي الخلوة فإذا بالشيخ عباس يدعوني في جفوة فقد أخبره أحد أقراني بما جرى بيني وبين أبي ، سألنى عما جرى بالأمس ، وكيف عجزت عن أن أقرأ سورة المزمل ؟ وهل نسيتها حقا ؟ اتلها علي فأخذت أردد( يا أيها المزمل قم الليل...) وكان له معي شأن آخر ولكنه كان أقسى مما جرى بيني وبين أبي ، بعد أن أخذت كفايتي من العقاب سمعته يقول: عوضني الله خيرا فيما أنفقت معك من وقت وما بذلت في تعليمك من جهد ، فقد نسيت القرآن ويجب أن تعيده
ونواصل

ود مختار
29-07-2012, 12:35 PM
الحلقة السابعة والعشرون
ضاقت بي الحياة وضقت بها ذرعا ، تركت الخلوة ، طلقتها بالثلاثة وانصرفت على ما كنت عليه من حياة اللهو والعبث ، أقضي أوقات النهار كلها بجوار محمود (الحلبي) وهو ينهمك في سمكرة الأواني المنزلية وأنا أعبث في التراب ببقايا من مخلفات قطع الصفيح الذي يلقيه جانبا ، ومحمود (الحلبي) هذا يا إخوتي كان معروفا لدى جميع أهل الحي يأتي أليها في فترات متقطعة ، كان الناس يعرفون قدومه من خلال صوته الجهوري وهو يصيح من فوق حماره : عيااااد ... عياااد ... عيااااد أباريق .. صفائح ... شرقرقات ...غلايات... عيااااد ....عياااد ، يقولها وهو إما قادم من ناحية الشمال أو الجنوب يتبعه حاشيته من النساء والأولاد وحتى أغنامه ، يحل على مكانه المعتاد تحت النخلة القائمة بجوار المسيد بينما تطوف نساءه وبناته بيوت الحي بيتا بيتا ليتلقين الكرامة والهبات سواء كان تمرا أو دقيقا أو زيتا ونحو ذلك ،كنت أراقب هذا المحمود ( الحلبي )عن كثب وهو يطوع الحديد كيفما يشاء، مرة يطويه كما تطوى الصحيفة وأخرى يفرده كما يفرد الطائر جناحه ليصنع منه الأباريق واواني القهوة وخلافها، كنت أجمع بقايا الحديد وأحاول تقليده ، والحق أن عمله هذا قد استهواني ، عقدت العزم على أن أكون حلبيا مثله لكن بطريقتي الخاصة ، لا أصنع ما يصنعه بل أصنع العربات والمراكب وعجلات النورج وقد احترفتها جيدا لم يجاريني فيها أحد ، ولا ضير في بعض الأوقات تدفعني الفضول وأتسلل وسط النساء وهن قد اجتمعن حول العطار( الكلودي ) يساومنه في الشراء وأنا أنظر تارة إلي المخلاة الكبيرة التي تنوء بها ظهره وتارة إلي قوارير الطيب التي يحملها بيمينه بعد أن وضعها بعناية داخل سلة أو نحوها، كنت اسأل أحيانا عن السعر كمن يريد أن يشتريها بل أذهب إلي أكثر من ذلك بأن أتبعه من حي إلى حي وأنا استمتع برائحة طيبه التي تفوح وتعم المكان.
ظللت على هذا الحال بلا شغل أو مشغلة حتى كان يوم من الأيام ذقت فيه الألم حقا وعرفت منذ ذلك اليوم أن الدهر قادر على أن يؤلم الناس ويؤذيهم ويحبب إليهم الحياة ويهون من أمرها على نفوسهم في وقت واحد ، كانت لي أخت صغيرة تدعى سميرة ، كانت في الرابعة من عمرها ، كانت خفيفة الروح ، طلقة الوجه ، فصيحة اللسان ، عذبة الحديث ، قوية الخيال، كانت لهو الأسرة كلها ، تجمع حولها أشياءها الصغيرة وتحادثها كمن يحادث إنسانا ، فما هي إلا أن أقبلت بوادر عيد الأضحى في سنة من السنين وأخذت أمي تستعد لهذا العيد وتهيئ له الدار وتعد له ما تعد بينما أنا وأخي بلال وعبد الهادي نختلف حينا إلى الخياط وحينا إلى الحذاء ونلهو بهذه الحركة الطارئة على الدار ، بينا نحن كذلك إذ أحست الطفلة بشيء من الفتور والهمود لم يكد يلتفت إليه أحد ، والأطفال يا إخوتي في القرى والأرياف معرضون لهذا النوع من الإهمال ، يشكو الطفل وقلما تعنى به ، وأي طفل لا يشكو إنما هو يوم وليلة ثم يفيق ويبرأ دون أن ينظر إليه طبيب ، على هذا النحو فقدت هذه الطفلة الحياة ، ظلت فاترة محمومة يوما ويوما ويوما وهي ملقاة على فراشها في ناحية من نواحي البيت تعنى بها أمي ، تدفع إليها شيئا من الغذاء ، الله يعلم أكان جيدا أم رديئا والحركة متصلة في الدار، يهيأ الخبز في ناحية وتنظف وترتب حجرة الرجال في ناحية أخرى وأبي يروح أول النهار ويغدو أول الليل حتى إذا كان عصر اليوم الرابع وقف هذا كله فجأة ، وعرفت أمي أن شبحا مخيفا يحلق على هذه الدار ولم يكن الموت قد دخل هذا الدار من قبل ولم تكن أمي الحنون قد ذاقت نوع الألم الصحيح ، نعم كانت في عملها وإذا الطفلة تصيح صياحا منكرا فتدع كل شيء وتسرع إليها والصياح يتصل ويشتد والطفلة تتلوى وتضطرب بين ذراعيها وهي تحدق إليها حينا وتبسط يدها إلي السماء حينا آخر ولكن أبواب السماء كانت قد أغلقت في ذلك اليوم ، فقد سبق القضاء بما لا بد منه ، ومن غريب الأمر أن أحدا لم يفكر في الطبيب ، وتقدم الليل وأخذ صياح الطفلة يهدأ وأخذ صوتها يخفق وخيل إلي أمي أن قد سمع الله لها وأن قد أخذت الأزمة تنحل ، وفي الحق أن الأزمة قد أخذت تنحل وأن الله كان قد رأف بهذه الطفلة وأن خفوت الصوت وهدوء هذا الاضطراب كانتا آيتي هذه الرأفة ، تنظر إليها فيخيل إليها أنها ستنام ثم تنظر فإذا هدوء متصل لا صوت ولا حركة وإنما هو نفس خفيف شديد الخفة يتردد بين شفتين مفتوحتين قليلا ثم ينقطع هذا النفس فإذا الطفلة قد فارقت الحياة ، ماذا كان علتها ؟ كيف ذهب بحياتها هذه العلة ؟ الله وحده يعلم ، هنا يرتفع صياح آخر يتصل ويشتد ولكنه ليس صياح الطفلة وإنما هو صياح أمي وقد رأت الموت وأحست الثكل وإذا الجيران والجارات قد سمعوا هذا الصياح فأقبلوا مسرعين ، فأما أبي فانصرف إلي الرجال يتقبل عزاءهم في قوة وجلد ، يا له من يوم ! ويا لنكرها من ساعة حين جاء أبي إلى الدار مع آخر الليل وقد وارى ابنته في ثرى وادي شيخ عامر على الضفة الأخرى من النهر ، من ذلك اليوم اتصلت الأواصر بين الحزن وبين هذه الأسرة ، فما هي إلا وأشهر حتى فقد أبي أمه الفانية زينب فروش( رحمها الله) وما هي إلا أشهر حتى فقدت أمي والدها الهرم الحاج عبد الرحمن صالح حماد (رحمه الله) وإنما هو حداد متصل وألم يقفو بعضه بعضا، منه اللاذع ومنه الهادي ،كانت تلك أحداثا حفرت في الذاكرة لم ولن أنساها مدة ما حييت.
ونواصل ...

ود مختار
29-07-2012, 12:36 PM
الحلقة السابعة والعشرون
ضاقت بي الحياة وضقت بها ذرعا ، تركت الخلوة ، طلقتها بالثلاثة وانصرفت على ما كنت عليه من حياة اللهو والعبث ، أقضي أوقات النهار كلها بجوار محمود (الحلبي) وهو ينهمك في سمكرة الأواني المنزلية وأنا أعبث في التراب ببقايا من مخلفات قطع الصفيح الذي يلقيه جانبا ، ومحمود (الحلبي) هذا يا إخوتي كان معروفا لدى جميع أهل الحي يأتي أليها في فترات متقطعة ، كان الناس يعرفون قدومه من خلال صوته الجهوري وهو يصيح من فوق حماره : عيااااد ... عياااد ... عيااااد أباريق .. صفائح ... شرقرقات ...غلايات... عيااااد ....عياااد ، يقولها وهو إما قادم من ناحية الشمال أو الجنوب يتبعه حاشيته من النساء والأولاد وحتى أغنامه ، يحل على مكانه المعتاد تحت النخلة القائمة بجوار المسيد بينما تطوف نساءه وبناته بيوت الحي بيتا بيتا ليتلقين الكرامة والهبات سواء كان تمرا أو دقيقا أو زيتا ونحو ذلك ،كنت أراقب هذا المحمود ( الحلبي )عن كثب وهو يطوع الحديد كيفما يشاء، مرة يطويه كما تطوى الصحيفة وأخرى يفرده كما يفرد الطائر جناحه ليصنع منه الأباريق واواني القهوة وخلافها، كنت أجمع بقايا الحديد وأحاول تقليده ، والحق أن عمله هذا قد استهواني ، عقدت العزم على أن أكون حلبيا مثله لكن بطريقتي الخاصة ، لا أصنع ما يصنعه بل أصنع العربات والمراكب وعجلات النورج وقد احترفتها جيدا لم يجاريني فيها أحد ، ولا ضير في بعض الأوقات تدفعني الفضول وأتسلل وسط النساء وهن قد اجتمعن حول العطار( الكلودي ) يساومنه في الشراء وأنا أنظر تارة إلي المخلاة الكبيرة التي تنوء بها ظهره وتارة إلي قوارير الطيب التي يحملها بيمينه بعد أن وضعها بعناية داخل سلة أو نحوها، كنت اسأل أحيانا عن السعر كمن يريد أن يشتريها بل أذهب إلي أكثر من ذلك بأن أتبعه من حي إلى حي وأنا استمتع برائحة طيبه التي تفوح وتعم المكان.
ظللت على هذا الحال بلا شغل أو مشغلة حتى كان يوم من الأيام ذقت فيه الألم حقا وعرفت منذ ذلك اليوم أن الدهر قادر على أن يؤلم الناس ويؤذيهم ويحبب إليهم الحياة ويهون من أمرها على نفوسهم في وقت واحد ، كانت لي أخت صغيرة تدعى سميرة ، كانت في الرابعة من عمرها ، كانت خفيفة الروح ، طلقة الوجه ، فصيحة اللسان ، عذبة الحديث ، قوية الخيال، كانت لهو الأسرة كلها ، تجمع حولها أشياءها الصغيرة وتحادثها كمن يحادث إنسانا ، فما هي إلا أن أقبلت بوادر عيد الأضحى في سنة من السنين وأخذت أمي تستعد لهذا العيد وتهيئ له الدار وتعد له ما تعد بينما أنا وأخي بلال وعبد الهادي نختلف حينا إلى الخياط وحينا إلى الحذاء ونلهو بهذه الحركة الطارئة على الدار ، بينا نحن كذلك إذ أحست الطفلة بشيء من الفتور والهمود لم يكد يلتفت إليه أحد ، والأطفال يا إخوتي في القرى والأرياف معرضون لهذا النوع من الإهمال ، يشكو الطفل وقلما تعنى به ، وأي طفل لا يشكو إنما هو يوم وليلة ثم يفيق ويبرأ دون أن ينظر إليه طبيب ، على هذا النحو فقدت هذه الطفلة الحياة ، ظلت فاترة محمومة يوما ويوما ويوما وهي ملقاة على فراشها في ناحية من نواحي البيت تعنى بها أمي ، تدفع إليها شيئا من الغذاء ، الله يعلم أكان جيدا أم رديئا والحركة متصلة في الدار، يهيأ الخبز في ناحية وتنظف وترتب حجرة الرجال في ناحية أخرى وأبي يروح أول النهار ويغدو أول الليل حتى إذا كان عصر اليوم الرابع وقف هذا كله فجأة ، وعرفت أمي أن شبحا مخيفا يحلق على هذه الدار ولم يكن الموت قد دخل هذا الدار من قبل ولم تكن أمي الحنون قد ذاقت نوع الألم الصحيح ، نعم كانت في عملها وإذا الطفلة تصيح صياحا منكرا فتدع كل شيء وتسرع إليها والصياح يتصل ويشتد والطفلة تتلوى وتضطرب بين ذراعيها وهي تحدق إليها حينا وتبسط يدها إلي السماء حينا آخر ولكن أبواب السماء كانت قد أغلقت في ذلك اليوم ، فقد سبق القضاء بما لا بد منه ، ومن غريب الأمر أن أحدا لم يفكر في الطبيب ، وتقدم الليل وأخذ صياح الطفلة يهدأ وأخذ صوتها يخفق وخيل إلي أمي أن قد سمع الله لها وأن قد أخذت الأزمة تنحل ، وفي الحق أن الأزمة قد أخذت تنحل وأن الله كان قد رأف بهذه الطفلة وأن خفوت الصوت وهدوء هذا الاضطراب كانتا آيتي هذه الرأفة ، تنظر إليها فيخيل إليها أنها ستنام ثم تنظر فإذا هدوء متصل لا صوت ولا حركة وإنما هو نفس خفيف شديد الخفة يتردد بين شفتين مفتوحتين قليلا ثم ينقطع هذا النفس فإذا الطفلة قد فارقت الحياة ، ماذا كان علتها ؟ كيف ذهب بحياتها هذه العلة ؟ الله وحده يعلم ، هنا يرتفع صياح آخر يتصل ويشتد ولكنه ليس صياح الطفلة وإنما هو صياح أمي وقد رأت الموت وأحست الثكل وإذا الجيران والجارات قد سمعوا هذا الصياح فأقبلوا مسرعين ، فأما أبي فانصرف إلي الرجال يتقبل عزاءهم في قوة وجلد ، يا له من يوم ! ويا لنكرها من ساعة حين جاء أبي إلى الدار مع آخر الليل وقد وارى ابنته في ثرى وادي شيخ عامر على الضفة الأخرى من النهر ، من ذلك اليوم اتصلت الأواصر بين الحزن وبين هذه الأسرة ، فما هي إلا وأشهر حتى فقد أبي أمه الفانية زينب فروش( رحمها الله) وما هي إلا أشهر حتى فقدت أمي والدها الهرم الحاج عبد الرحمن صالح حماد (رحمه الله) وإنما هو حداد متصل وألم يقفو بعضه بعضا، منه اللاذع ومنه الهادي ،كانت تلك أحداثا حفرت في الذاكرة لم ولن أنساها مدة ما حييت.
ونواصل ...

ود مختار
29-07-2012, 12:37 PM
الحلقة الثامنة والعشرون
كان ذلك العام الذي توفيت فيه أختي الصغيرة عاما منكرا، حيث هبط على الجزيرة مرض غامض وحصد أرواح الأطفال حصدا ، ما أن يحتمل الناس جثة طفل بين أيديهم ليعبروا بها ضفة النهر ليواروها الثرى حتى تلحقها جثة أخرى، هكذا أخذت مواكب المشيعين تترى نحو وادي شيخ عامر ، وهكذا ازدحم وادي الموتى بجثث الأطفال ومواكب المشيعين أياما وأياما ، وهكذا أخذ الحزن يمزق قلوب الأمهات ، كان الهلع قد ملأ النفوس واستأثر بالقلوب ، وكانت الحياة قد هانت على الناس ، وكانت كل أسرة تتحدث بما أصاب الأسر الأخرى وتنتظر حظها من المصيبة ، وكانت كل أم تسأل نفسها ألف مرة في كل يوم بمن تنزل النازلة من أبنائها وبناتها، كنت أسمع فيما يروى أن حيا من أحياء الجزيرة فقدت في يوم واحد خمسة أطفال ، أي والله ، خمسة أطفال ، كان الأطباء ورسل وزارة الصحة قد انبثوا في أنحاء الجزيرة ومعهم أدواتهم ، فزع الناس إلى المساجد والزوايا يرفعون أكف الضراعة إلي الواحد الديان سائلين أن يرفع عنهم هذا البلاء ، لم يكتفوا بذلك بل ذبحوا الذبائح قربانا لرب العالمين ،وأحيوا ليالي الذكر والدعاء، وما هي أيام وليالي حتى هدأت الأحوال ، وخفت حدة الموجة ، وأخذت الأزمة تنحل، وقل عدد الموتى ، إذن استجاب الله تعالى لدعاء أولئك الطيبين من أهلي ، الذين لم يعرفوا مثل هذه النكبة في تاريخ حياتهم ، خفت وطأة المصيبة وعاد الناس إلى ما هم فيه من حياة الكد والاجتهاد ، ونسى من نسى تلك المصيبة التي هزت أركان الجزيرة ، ولكن في حقيقة الأمر أن المصيبة لم تغادر الجزيرة تماما بل تمركزت غير بعيد عنهم وهي تنسج شباك المباغتة في الخفاء ، بدأت تستجمع قواها وتنظم صفوفها لتعاود الهجوم ، عادت مرة أخرى بأشد مما كانت في الأولى ، ليس لحصد أرواح الأطفال هذه المرة ، وإنما لحصد أرواح الأبقار، نفقت مئات من روؤس الأبقار وامتلأ النهر بجثثها الطافية علاوة على ما تحمله تيار النهر من جثث من أماكن أخرى ، كنت أرى كل يوم الناس يسحبون جثث الأبقار نحو النهر وقد بلغ بهم الجهد ، ظلوا على هذا الحال حتى ملوا من سحب الجثث إلى النهر وصاروا يدفعون أبقارهم المريضة إلى حافة النهر لتموت هناك ومن ثم يدفعون جثتها إلي النهر لتستقر في بطون التماسيح والأسماك وبالتالي تريحهم من عناء السحب ، فزع الناس مرة أخرى إلي الله ، يدعون ربهم ويكثرون من الذكر والدعاء وذبح الذبائح والمرض يفتك بالأبقار فتكا ذريعا ويمحى حظائر بأكملها ، ما هذه المصائب التي أخذت تحل بحق الله ؟!! وأي كارثة هذه التي لم تشهدها الجزيرة في تاريخها ؟!!! ما أن يفرغوا من المرض الذي حل بالأطفال حتى ينشغلوا بآخر يحل على الأبقار وليس موت الأبقار بأقل فداحة من موت الأطفال ، لعمري لقد رأيت بعض الرجال يبكي بحرقة على موت أبقاره كمن يبكي على عزيز لديه ، إنها مشيئة الله وقضائه النافذ وإذا أحب الله قوما امتحنهم بالمصائب ليرى مدى صبرهم ، صبر أولئك الطيبون كعادتهم وتحزموا وتلزموا صابرين محتسبين أمرهم لله حتى انجلت الأزمة وصفت الأيام بعد كدرتها ، أصبحت هاتان المصيبتان جزءا من تاريخ الجزيرة ، مرتبطة بمناسباتهم ومواقفهم المختلفة ، لا يؤرخون عن حادثة من الحوادث الكثيرة التي مرت بها الجزيرة إلا ويذكرونهما بالاسم وهم يقولون : سنة موت الأطفال، وسنة موت الأبقار، وسنة موت الدجاج، وسنة فيضان النيل الكبير وسنة نزول الجراد ، وسنة ستة و... إلى أخره مثلها مثل العام الذي حل على المسلمين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) الذي سمي بعام الرمادة أو العام الذي فقد رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم ) زوجه خديجة بنت خويلد ( أم المؤمنين رضي الله عنها ) وجده عبد المطلب وسمي بعام الحزن ، نعم عشت تلك الفترات العصيبة وأنا ما زلت صبيا يافعا غض الإهاب ، لم أعش من تلك الأعوام التي عشتها في هذا العالم عاما واحداٍ مرَ بي كما يمر النجم الدهري في سماء الدنيا ليلة واحدة ثم لا يراه الناس بعد ذلك .
في خضم هذه الأحداث كان أبي يحاول إرجاع ابنه الآبق من الخلوة ويرده إليها مرة أخرى ويحاول معه شيخه مرات ومرات ، تارة يرسل إليه رسل الحيران ، وتارة يسعى إليه في رفق ولين ، وثالثه يأتي إلي البيت وينزل عليه أشد أنواع العقاب، ماذا عساهما أن يفعلا وقد بلغا جهدهما حتى فترت همتهما ، وأصاب اليأس طلابهما ، لم يجد أبي بدا من أن يعاقبني ، ولكن ليس عقابا جسديا كما كان يفعله في السابق ، وإنما عقابا معنويا ليضع بذلك حدا فاصلا لتحركاتي ، وبالتالي ينهي كل ما كان يجول في نفسي القلقة ، يا إلهي !! ماذا ينوي هذه المرة ؟؟ وأي خطة هذي الذي يريد تنفيذها ؟؟ وأي ريح تعسة تريد أن تهب على حياتي ؟؟ آه ما أقساه !! وما أشد وطأته على نفسي !! ليتني ما تركت الخلوة ، إنها كانت أهون علي مما ينتظرني ، لعمري ما عرفت قيمة الحرية ولا ذقت طعمها إلا بعد أن وقعت تحت هذا العقاب ، أتدرون يا إخوتي بم يريد أن يعاقبني أبي ؟؟ إنه يريد ني أن أكون صبيا للساقية ، ( الاورتي ) وما أدراك ما الاورتى ، لا يعلم معاناته إلا من جربها ، وخاض غمار قسوته ، سمع أصحاب السواقي بأن مختارا يريد أن يجعل ابنه صبيا للساقية فتلقفوا الخبر بشغف وهرعوا إلي منزلنا كل يطلب وده ، يعرضون على أبي شروطهم ، جاءه في ليلة شاتية عمي عبدون الملك ( رحمة الله عليه ) جلس على عنقريب قريب من النار وذلك بعد سلام وأخذ ورد مع أهل الدار ، ثم أخذ جذوة من النار وأشعل بها غليونه ونفث منها دخانا كثيفا كأنما نفث معه هما كبيرا جثم على صدره سنين عددا ، بدأ يفاوض أبي عارضا شروطه وهي : إعطائي قيراطين من الذره أو القمح بعد كل نهاية محصول 2ــ أن يقوم بإطعامي وكسوتي التي تشتمل على عراقي من قماش الوزن عشرة (الدمورية) بالإضافة إلى مترين من نفس القماش يسمى( بالمتلوق ) يتقي به الصبي برد الشتاء وحر الصيف ، تساوما في الأمر كثيرا ، وبعد أخذ ورد وإلحاح رفض أبي عرضه ، سمعته وهو يهمهم بكلمات تدل على السخت وعدم الرضا وهو يتهيأ للقيام دون أن يلتفت لرجاءات أبي بتناول فنجاي الشاي .
ونواصل ...

ود مختار
03-08-2012, 09:39 AM
الحلقة التاسعة والعشرون
جاءه بعد ذلك عمي أحمد إبراهيم هرون( أطال الله بقاءه ) ، فقدم عرضه وتساوما في المقدار الذي سيعطي لي ، لم يقتنع أبي بعرضه أيضا فرجع ، أصبحت كسلعة تباع وتشترى أو كعروس يزدحم الخطاب عند بابها ، أخيرا جاءه عمي سيدأحمد بشير ( رحمه الله عليه ) وقدم عرضا مناسبا اقتنع به أبي فوافق على الفور ، ولما لا يوافق أبي على عرضه وهو من هو؟؟!! كان رجلا كريما ، مرحا في حديثه ، ذا صوت مميز يعرفه الجميع ، لا يخلو جيبه من التمر ، يحنو على الكبير والصغير ، إن كان راضيا عنك يمنحك بضع تمرات قائلا لك : ( توك كل ) يعني كل هنيئا ، أقسم بالله العظيم مهما أضفيت على هذه العبارة من مفردات تزينها جمالا وبهاءا ومعاني تكسوها رونقا وصفاءا فلن أبلغ بها ما بلغتها الرطانة من جمال وروعة وتأثير في النفس ، وهذه الترجمة أقصى ما بلغتها من اجتهاد فتقبلوها على علاتها ، وأما إن كان غاضبا منك يصرخ في وجهك : (هيي بتان جان كول ) يعني أيها الولد المجنون ، كم كان ذلكم الرجل كريما مرحا فيه صلاح الأولياء ، وطبع الصحابة ، وشمائل الأنبياء ، وعفة الزاهدين الأتقياء ، جاء إلي هذه الفانية وملأها عمارا وسعادة وسرورا ثم رحل منها في هدوء ، أتذكر كنا نأتي إلي منزله العامر أنا وعبد الهادي مختار وبلال مختار(شقيقاي) بعد انتهاء الدوام المسائي في الساقية ونجده قد ملأ إناء كبيرا (بالإجي ندي) أي اللبن الرائب وقد وضع فيها قطعة أو قطعتين من( السق) قراصة عيش الريف ويقول لنا كعادته ( توك كلوي ووا جبرن بتاني) كلوه هنيئا يا أولاد جبره ، وجبره هذا اسم الشهرة لعائلة والدي (رحمة الله عليه ) كنا نحاول الإمساك بإحدى القطعتين لنقسمها أو بالأحرى لنكسرها فتنفلت منا ونحاول تثبيتها مع حافة الإناء فتقفز إلى الجهة الأخرى بعد أن تلطخ وجوهنا وملابسنا باللبن ونحن نحاول اصطيادها مرات ومرات كمن يحاول مداهمة سمكة مع حافة القيف ، الا رحم الله ذلك الرجل وأسكنه مع الصديقين والشهداء والصالحين .
مكثت عنده صبيا للساقية لمدة عام كامل ، والحق أن الصبي الحقيقي الذي وقع عليه اختياره كان شقيقي عبد الهادي مختار ولكنه كعادته كان عنيدا ، لم يؤد مهمته على أكمل وجه ، أتعب نفسه وأتعب معه الترابلة ، شكوا منه كثيرا ، جربوا معه كل ألوان العقاب فلم يفلحوا ، كان كثيرا ما يهرب من الساقية عند انتصاف النهار بصحبته أحمد عثمان نوري( الاورتي ) الآخر لساقية (سواري) آل سوار إلي منزل عمي مصطفي أحمد بدري (رحمة الله ) يقضيان سحابة يومهما وهما يجلسان فوق جوالات التمر المرصوصة في حوش منزله العامر يسرقان منه التمر بعد أن يثقبوها في أحد أطرافها ، وإذا سألهم سائل : لم تجلسان هنا هكذا ؟ يردان عليه ــ بحيلة ماكرة ــ بأنهما ينتظران عمي مصطفي لحين الفراغ من خياطة (متلوق) أو عراقي لهما وهما في واقع الأمر إنما كانا يكذبان ، كانا يسرقان تمر الرجل بهذه الحيلة الماكرة ، ولا متلوق ولا يحزنون ، ظل الترابلة يبحثون عنه من حي إلى حي دون جدوى ، ولما أعياهم ذلك لجأوا إلى شخصي الضعيف ووجدوا ضالتهم ، جاءنئ ذات يوم مختار فقير (أطال الله عمره ) وكان يزامله في الساقية آنذاك عمي حمد عبدون ( رحمة الله عليه ) وعبد الله سوار (أطال عمره ) ، جاءني وأخذ يغريني بكذا وكذا وبعد لأي وجهد أوقعني فوافقت ، صرت بديلا لعبد الهادي ، انقضى العام بخيره وشره وانتهت فترة العقد المبرم بين أبي وبين عمي سيداحمد بشير(رحمة الله عليه) ، عدت مسرورا هانئا إلي البيت ومتحررا من سجني ، أصبحت حرا طليقا لحين إشعار آخر ، ألهو وألعب مع أقراني كما أشاء ، سعدت ولكن تلك السعادة لم تدم طويلا ، فإنما كانت استراحة محارب ، فقد كان القدر يخبيء لي مصيرا آخر أشد قسوة من تلك التجربة التي خضتها في ساقية عمي سيد احمد بسير ، يا لتعاستيى !! ويا لبؤسي !!كيف يكون شعورك يا أخي وأنت ترى صبيا رث الثياب عليه عراقي مهلهل من الخلف من كثرة الجلوس على (التكم) يساق مرة أخرى لنفس التجربة ؟وجسمه النحيل لا يكاد يقوى على حمل أسماله البالية ؟ ، ليس في نفس الساقية وإنما لساقية أخرى هي ساقية طمبل عبدون طمبل ( أمد الله في عمره ) كان أبي طيبا ، وعلى الرغم من طيبته هذي إلا أنه كان يشتد في موقف الشدة ثم ما يلبث أن يلين في موقف اللين وهو كمن قال فيهم الشاعر:
أنا كالماء إن رضيت صفاءا ـــ وإذا ما سخطت كنت لهيبا
كان (رحمه الله ) راضيا بما قسمه الله له كما كان زاهدا في الدنيا مثله ومثل رجال ذلك الزمن الذين لن يتكرروا ، ألا رحمهم الله جمعيا،
لذا استقله أصحاب السواقي فأخذوا يطرقون بابه كل حين ، أما أنا وفي هذه المرة سأقضي حولين كاملين في مهنتي المعتادة ، مهنة ( الاورتي ) في ساقية طمبل عبدون طمبل ، جاء هذا الرجل وفي صحبته أمه آمنة كوكو( رحمة الله عليها) إلي منزلنا ذات عشية ، عقدا اتفاقا مع أبي كان فحواه : أن اسوق ساقيته لمدة حولين كاملين مقابل أن يمنحا أبي مقدارا من المحصول لا أعرف كم يبلغ من المقدار في عرف الترابلة وان يمنحاني أيضا قيراطين من المحصول عند انتهاء الحصاد يسمى (بالشربود ) كنت أترقب يوم تقسيم المحصول فأحضر لانتظر نصيبي وأنا أجلس بعد أن أبسط (متلوقي ) على الأرض ، اجلس عليه القرفصاء منتظرا كما ينتظر الكلب أن يجود عليه أحد بلقمة ، يفرغ (الصمد) رئيس الترابلة من تقسيم المحصول فيعطيني مما تبقى وهو مقدار قيراطين ، أخذه واذهب جزلان فرحا ، كأنما سيقت لي الدنيا بأكملها ، أما النصيب الآخر فيأخذه والدي راضيا مرضيا .
ونواصل ...

ود مختار
04-08-2012, 07:46 PM
الحلقة الثلاثون
( الاورتي) يا إخوتي في عرف التدرج الوظيفي عند (الترابلة) أقل وظيفة ، وأكثرها مذلة ، وأحقرها شأنا ، وأقساها أداءا ، لذا كان يمقتها الناس ، فهو السلم الأول في التدرج المهني يبدأ به الإنسان حياته في مهنة الزراعة ورعاية شئون البهائم ثم بعد أن يقوى عوده يترقى إلى مهنة ( القيد جور ) أي حشاش القش يمكث مع صاحب الساقية لمدة عام أو عامين على حسب الاتفاق ، مهمته رعاية شئون البهائم من سقي وإطعام وما إلى ذلك ،وبعد أن يقضى فترة طويلة في هذا المجال يترقى إلى تربال وتنحصر مهمته في إعداد الأرض وجلب الماروق وعمليات الزرع والحصاد ويمكث في المجال سنينا وسنينا حتى يصير تربالا محترفا ومن ثم يترقى إلى درجة (صمد الساقية) ، فهو من يتولى تشتيت الماروق ( السماد البلدي) ومواصلة سوق الساقية إلي الهزيع الأخير من الليل ( الميزان ) والإشراف الكامل على الترابلة وفتل حبال الألس الغليظة وشق الجدول الرئيسي وفتح القنوات ، وهو مرجع أساسي في الاستشارات الفنية التي تتعلق بالتربة وميلانها وانخفاضها وارتفاعها وهو أول من يدشن عمليات الزراعة أو الحصاد لما يتمتع به من مكانة وتقدير عند الترابلة كما وله خبرة كافية في معرفة التقويم القبطي لشهور السنة ومواسم بدء العمليات الزراعية ومنازل النجوم وحركة الأنواء ، كان له دراية تامة بكل هذه الأمور وهو أقصى ما يصل إليه ، كما كان له نصيب معروف في قواديس الساقية يسمى بقواديس الصمد لزوم إضفاء نوع من الأهمية لمكانته ، هذا هو التدرج المهني في عرف أصحاب السواقي ، الآن دعوني أعود بكم إلي ما بدأت به حديثي ، جاءني طمبل عبدون في ذات صباح باكر وقادني إلي الساقية كما يقاد السجين إلى حبل المشنقة وأنا يوم ذاك صبي لا أملك من أمر نفسي شيئا ، شيعت لعباتي ومكان لهوي الأثير بنظرات الحزن العميق وأنا أودعها وقلبي يتمزق من فرط الأسى ، قابلت أول ما قابلت من الترابلة عوض كوكو (رحمة الله عليه ) كان رجلا هادي الطبع ، استقبلنى ببشاشة ومن ثم أخذ يغريني بأشياء كثيرة لأجتهد في عملي كما فعل معي (مختار فقير) من قبل ، كان الغش مباحا في عرف الكبار ويصدقهم الصغار وفي النهاية لا يجنون من وعودهم سوى قبض الريح ، وأتذكر أن هذا الرجل كان قد وعدني بالسفر سويا إلي (تمبس ) في أرض المحس بعد حصاد محصول الذرة ، فرحت لهذا الوعد أيما فرح وصرت اجتهد في سوق الساقية بهمة ونشاط واستعجل الأيام حتى نفرغ من حصاد الذرة ومن بعده السفر إلى (تمبس) ، كان يملأني شوق شديد ورغبة عارمة أن أخرج من الجزيرة هذا السجن الكبير إلي أي جهة أخرى حتى ولو إلى البرقيق القريبة حيث كانت تبدو لي في ذلك الزمان عالما آخر فيها ما فيها من مظاهر المدنية والرفاهية وتزجيه الوقت مثل مشاهدة السيارات وركوب العجلات والتبضع في السوق والاستمتاع باحتفالات طلاب المدرسة الوسطى وما يتبعها من أنشطة رياضية وثقافية ومشاهدة نشاط جر الحبل بين أهل كرمة وآرتقاشا ومشاهدة السنما المتجولة ومباريات كرة القدم ونحوها من سبل الحياة التي كانت تختلف عن حياة الجزيرة القاسية الرتيبة ، المهم ظللت انتظر اليوم الذي يصطحبني معه إلى (تمبس) ، ها هي السنة قد انتهت ، وها هو الحصاد قد جمع وأخذ كل نصيبه ، انتظرتة شهرا وشهرا دون طائل ، ولما أعياني الانتظار ذكرته بما بيننا من وعد مسبق لكنه لم يعر للأمر اهتماما ، علمت أنه خدعني وما أسهل خداع (الاورتي) !! ، فالترابله قلما يقدرون (الاورتي) حق قدره إنما يهينوه ، لا يدعونه إلي مائدتهم بل يرسلون له فتات ما تبقى من طعامهم ليأكلها وهو فوق (التكم) والساقية دائرة ، لا أستطيع أن أصف لك شعوري إن قال لي : هيا نذهب معا إلى (تمبس) ، كانت الدنيا لا تسعني من الفرحة ولكن وا أسفاه !! من وعد كاذب ثم وا أسفاه من حديث زائف !! جعلنى أعيش في أحسن حالاتي كما جعلني أكثر اجتهادا في سوق الساقية ، فقد أخلصت في عملي وليته أخلص هو الآخر في وعده ، ذهبت كل أحلامي الصغيرة أدراج الرياح وانكفأت على نفسي بعد أن حصدت السراب ، الله يعلم كم حزنت وتجرعت كأس الأسى والحرمان .
ونواصل ....

ود مختار
06-08-2012, 03:36 PM
الحلقة الحادية والثلاثون
سبحان الله !! بعد أن كنت أذهب إلي الخلوة جذلان فرحا ، ها أنا أساق إلى الساقية سوقا وأنا غير راغب فيها ، اذهب إليها عند الصباح الباكر مع مغادرة العصافير لأعشاشها وأظل في( التكم ) حتى منتصف النهار، بحسب التوقيت الجاري في عرف الترابلة وفكرته : أنهم كانوا يغرسون وتدا على بعد شبرين من الناحية الشرقية للخشبة المشدودة عليها حبال الحلقة الكبيرة في الإتجاه الغربي ، عندما يلحق الظل ذلك الوتد يكون قد انتصف النهار ويوقف الاورتي الساقية تلقائيا ، كانوا يتفقون حول توقيت واحد وهو منتصف النهار، أما في الفترة المسائية كان (الصمد) يأتي مع مغيب الشمس ويأخذ الساقية من الاورتى ويظل يسوق إلى الهزيع الأخير من الليل ، كان هذا يعرف بالميزان في عرف الترابلة ، عند انتصاف النهار أذهب إلى البيت وأخذ ساعة أو ساعتين ثم أعود إليها لمواصلة الفترة المسائية التي تمتد إلى ما بعد مغيب الشمس ، في بعض الأحيان عندما يقتضي الظرف أواصل اليوم كله في قيادة الساقية دون توقف ، كانت حرارة الصيف القائظة تلهب جسدي النحيل طيلة ساعات النهار ويتصبب مني العرق ، ولا يرحمني البرد القارص في الشتاء وأنا وحدي في( التكم ) بلا أنيس ، بلا مساعد ، أسمع لعنات وشتائم التربال وأراه وهو ينحني ويملأ كلتا يديه بالتراب ويثيره تجاهي من على البعد في مظهر لا يكاد يخلو من الغضب ، حاثا إياي على الهمة والنشاط في سرعة قيادة الساقية، وقد يأتي في أي لحظة ويشفي غليله بالضرب المبرح ، لا تأخذه شفقة ولا رحمة مما أنا فيه من الإعياء والتعب ، ليست الساقية بأحسن راحة من الخلوة ،وليس عقاب التربال بأهون من عقاب الشيخ ففي كلا الحالين أنا مقهور مقهور ومراقب بحيث لا أستطيع أن أطلق العنان لنفسي من الإنعتاق من هذه العبودية المذلة ، ينهال علي التربال بالضرب يوميا كأنني ارتكبت جرما عظيما ليس لشيئ وإنما للتثاقل في قيادة الساقية ولا يكلف نفسه بأن يجعل لي مظلة في التكم لأتقي حر النهار، ماذا أفعل ؟ وكيف أشفي غليلي ؟ وأنا ضعيف لا حيلة لي ، فكرت وقدرت في أن أجد وسيلة سهلة وناجعة لتعذيب الترابلة من دون أن يكتشفوها ، هذه الوسيلة الماكرة اهتديت إليها بواسطة أحد الصبيان المحترفين في قيادة السواقي ! إنها ستمكنني من أن أخذ لنفسي قسطا وافرا من الراحة ، وبالتالي سيسبب للتربال مشاكل لا قبل له بها ، والنظرية هي أن أضع نواة من التمر في( التنر) بضم التاء وفتح النون ، وهو مقدمة العمود الخشبي الطويل الرابط ما بين الجزء الداخلي والخارجي للساقية ( التوري ) هذا الجزء فيه الحلقة الصغيرة وهو مصدر الصوت الحنين للساقية ، أضع النوى في هذا المكان أثناء الساقية دائرة ، فجأة يختل النظام ما بين حركة تروس الحلقة الكبيرة والحلقة الصغيرة مما يتسبب في سقوط الحلقة الكبيرة إلى الأرض ، بعد ذلك اذهب إلي التربال في بطء وتمهل وأنا اتعمد إهدار الوقت ، أخبره بالحاصل ، يأتي التربال مهرولا ولا يجد من يعينه على رفع هذه الحلقة الضخمة فيذهب إلى السواقي المجاورة لجلب الترابلة ، هنا أكون قد قضيت قسطا ممتازا من الراحة ، وربما استمتع باللهو ببعض الأشياء لحين الفراغ من رفع الحلقة ، إن كان التربال من النوع القاسي أطبق له هذه النظرية مرة ومرات حتى يلعن الحظ الذي رمى به في هذه الساقية ،وإن كان من النوع الطيب لا أطبق النظرية إكراما له ، أحيانا أفعل ذلك إذا تحكم المزاج دون أي سبب ، وهكذا أظل أتلاعب بأعصاب الترابالة من حيث لا يدرون ، مرة عندما ضقت ذرعا بحياة الساقية وقسوتها هربت مدعيا بأن إحدى البقرات (حمَرت لي عينا ) وسرت هذه المقولة بين الناس فصاروا يتندرون بها زمنا ، وكان سببا في إعفائي من سوق الساقية لمدة عام كامل بدواعي صغر السن وعدم الوعي ، هذا كان في أول عهدي بالساقية ، أتذكرأنه مرة خدعت الاخ نجم الدين عبده وقلت له : انظرإلى تلك التروس كيف تصافح بعضها كما نصافح نحن بعضنا البعض ؟ ثم أردفت قائلا دعني انظر كيف تصافحهم ؟ فوضع المسكين راحة يده بين التروس فهرستها وهو يصيح بأعلى صوته وسبب له جروحا بالغه حتى سمعه بعض الترابله جاء وعابقني عقابا قاسيا وذهب به الى الطبيب ، وما زال إلى يومنا هذا يريني آثارها .
كانت الحياة قاسية وكانت حريتي مكبوتة كما قلت ، حتى أخي عبد الهادي الذي كنت أعينه في ساقية عمي سيد احمد بشير(رحمه الله ) قد تنكر لي ، وقلب لي ظهر المجن ونسي الجميل الذي أسديته ، كان الشخص الوحيد الذي يأنس وحدتي من حين لآخر هو الأخ عثمان بشير محمد على ، كان يقطن مع حبوبته مبروكة ( رحمة الله عليها ) وكان منزلهم قائما وسط غابة النخيل منفردا عن باقي منازل الحي، كان يأتيني عندما ينتصف النهار ويجلس معي في التكم ، ويملأ عليَ وحدتي ، يحكي لي بعض القصص وأحكي له ،نظل نتآنس ، نضحك ، نتدر إلى أن تغيب الشمس ، يشهد الله كم كنت أتمنى أن تظل المعدية قبالة ساقيتي لأتسلى بمشاهدة حركة الرائحين والغادين إما عابرون إلى الضفة الأخرى أو قادمون من هناك ولكن لسبب لا أعرفه حرم طمبل عبدون طمبل (صاحب الساقية ) ريس المركب من أن يرسو بمركبه قبالة ساقيته وبالتالي حرمني من أن أجد سلوتي في أن أتمتع بالحركة الطارئة على الشاطيء ، تحولت المعدية قبالة (فروش مار) و(النور مار) إلى يومنا هذا ، كنت أتشوق رؤية البواخر الضخمة وهي تمر من أمامي صاعدة أو نازلة أو رابضة تشحن في ناحية البرقيق ، كما كنت أتشوق لرؤية الرجال وهم يسحبون مركب المعدية نحو ( أقج قرجة ) في أقصى الجنوب عندما يكون الطقس سيئا ، أو أتسلى برؤية التلاميذ وهم يمرون من حولي زرافاتا ووحدانا وعليهم جلابيب بيض يقصدون المدرسة في الضفة الأخرى في البرقيق ، عندما أفتقد هذه المسليات أظل أترقب أحدا يمر بقربي وأشيعه بنظرات حائرة ألي أن يتوارى خلف النخيل ، كان يوم الأربعاء هو اليوم الأثير بالنسبة لي حيث كان يزدحم الشاطىء بحركة العابرين ، مثلما كان يوما مشهودا لأهل القرية في كل أسبوع كان أيضا يوما مشهودا لي ، يأتي الرجال ويقيدون حميرهم على مقربة منى ويوصونني بحراستها من المتربصين لحين العودة من السوق وكان الثمن لهذه الخدمة قطع من حلوى أو بسكويت أو برتقالة أوعيش بلدي أو قطعة زلابية وما إلى ذالك ، كنت أتلقفها منهم راضيا مرضيا ، كما كانت بعض أمهاتنا عندما تأخذها الشفقة تجود علي بما تحملها من بطيخ أو موز ، ولا أنس أمي التي كانت تعطيني حصتي كاملة قبل أن تصل البيت ، كانت تجلب لي الموز والزلابية والفول المدمس ، وبعد أن تصل البيت ترسل لي شاي العصر باللبن مع أخي عبد الهادي في إناء كان يعرف (بالتنكه) أو في براد يوضع في جمر يسمى (النلي ) بتشديد اللام ، أما الثرامز فكان يستأثر بها بعض أصحاب الحالات الميسورة أو يستقلها الناس في المناسبات .
كانت عمتنا طمبلتون برو ( رحمها الله ) أم عبد الله حاج محمد وعوض ومحمد سعيد تكلفني بحراسة اللوبيا التي زرعتها في الجروف ، كنت حارسا أمينا لها وكانت تمنحي مقابل ذلك حفنة من التمر كلما تأتي لتتفقد زرعها من حين لآخر ، من الطرائف التي أتذكرها أنه مرة من المرات جاء عمي أحمد إبراهيم هرون ) أطال الله بقاءه ) وأخذ من اللوبيا ليحمي بها ظهر حمار يريد أن يحمل عليه كتلة من خشب السنط ، جاءت وسألتني عن الشخص الذي سطا على لوبيتها ، قلت لها أخذ منها أحمد إبراهيم ، ذهبت إلي أحمد من توها وكان لها معه ما كان ، كل هذا من شدة حرصي وأمانتي ولم أكن أدري بأن كلامي هذا سيترتب عليه عواقب وخيمة ، رحمة الله عليها كانت تحكي هذا الموقف كلما تأتي إلى منزلنا ، وتتعجب من أمانتي وحرصي على ممتلكاتها ، كان لي معزة خاصة عندها ليس لأنني أحمي ممتلكاتها ولكن معزة الأم لولدها حيث كانت تحسب كل أم أن صبيان الحي أنما هم أولادها ، ما أجمله من زمن!! ، وما أحلاها من ذكرى !!
ونواصل ...

ود مختار
07-08-2012, 10:53 AM
الحلقة الثانية والثلاثون
ظللت على هذه الحالة ، أتنقل من ساقية إلى ساقية حتى كاد مستقبلي يضيع بين السواقي لولا أن أدركني الله تعالى وقيض رجلا من أهل الخير لأبي ، أتدرون من هو هذا الرجل ؟ إنه عمنا محمد صالح كمبتود (رحمه الله ) والد كل من فضل ونقد ، كان رجلا طيبا يحب الخير للناس ، كان يعمل اسكافيا في سوق البرقيق ودائما يمر بقربي إما عابرا أو قادما ، في يوم من الأيام جاء خصيصا لأبي وتحدث معه طويلا وهو يعنفه قائلا : كيف تترك ولدك في الساقية وأمثاله ينعمون بالعلم ؟... حتى أفقر الناس منك يلحقون أبناءهم بالمدرسة وأنت لا تفعل ؟ !! ... لو كنت تدري قيمة العلم لما تركت ابنك يوما واحدا في الساقية ... لكن الذنب ليس ذنبك وإنما الذنب ذنب أبيك لأنه لم يلحقك بالمدرسة ... نحن لا نريد أن نجني ما جناه آباؤنا لنا .... أرجوك يا مختار أن تلحق ابنك بالمدرسة لينفع نفسه وينفعك ... هل أنجبنا أبناءنا لنسخرهم لخدمة الآخرين ؟؟ وقع كلامه هذا كالصاعقة في نفس أبي واستفاق كأنما كان في سبات عميق .
جاءني من غده وأنا في الساقية يحمل صرة بها جلابية أقرب منها إلى العراقي وطلب مني أن أترجل من الساقية لألبسها ، لبستها فصارت عند ركبتي ثم انتعلني حذاءا من نوع جزمة باتا ، لم يتبادر إلى ذهني إطلاقا إنه يريد أن يأخذني إلى المدرسة للقبول ، قال لي : نريد أن نذهب إلي البرقيق لإلحاقك بالمدرسة، البرقيق ؟!!! أي كلمة نطقها أبي!!! ذلك العالم الذي كنت لا أراه إلا لماما، وأي مدرسة ؟ وأي علم ؟ وما هي المدرسة ؟ وكيف تبدو ؟ وكيف يتلقى الناس العلم فيها ؟ أيتلقونه كما كنت أتلقى في خلوة الشيخ عباس ؟ وهل حقا سأنعم بالحرية بعد هذين العامين ؟ نتف من الأحلام والخواطر أخذت تقفز في مخيلتي ، رفعت رأسي كمن كان في حلم جميل وقلت له : ولكن الساقية ستقف والتربال سيعاقبني ، انتهرني بعنف قائلا : أنزل ... قلت لك أنزل ، نزلت من الساقية وأنا خائف مضطرب ، ألبسني ذلك الزي العجيب ومضى بي نحو المركب وأنا أتلفت من حين لآخر لأرى ما إذا كانت الساقية دائرة أم توقفت ، لكن ما السر في هذا الجلباب العجيب يا ترى ؟ أقول لك بأن أحدا وصي أبي بأن يشتري مثل هذا الجلباب لأنه لو اشترى لي جلبابا عاديا ربما سيجعلني طويلا وسط أقراني ، ومن المعلوم أن التلاميذ في القبول كانوا يوقفونهم في صف ويركزون في الطول لا في عدد سني العمر ، المهم صعدنا إلى ظهر المركب وأخذ يشق بنا النهر ، عندما بلغنا وسط النهر جعلت أجيل بنظري نحو الساقية ، رأيتها تدور لوحدها ، لم أتوقف عن الالتفات إليها من حين لآخر كمن أضاع شيئا هناك حتى توارينا عنها خلف تلال الرمال في الجانب الآخر للضفة ، ذهبنا أولا إلى مستشفى البرقيق لاستخراج شهادة تقدير العمر وكان الطبيب المقيم في المستشفى آنذاك هو الدكتور أمين مختار صقر مصري الجنسية وكان مشهورا ومحبوبا بين الناس علاوة على أنه كان متميزا في مهنته ، كان لأول مرة أدخل فيها مستشفى البرقيق في حياتي ، انبهرت بروعة المستشفى ونظافتها حيث كانت تزينها حدائق خضراء ذات بهجة تسر الناظرين ، يتحرك داخلها الموظفون والممرضون والعمال بهمة ونشاط ، وعربة الإسعاف تأتي وتخرج بين الفينة والأخرى والممرضون بملابسهم البيضاء يسحبون نقالات المرضى من وإلى العنابر، يعانق أذني بين الفينة والأخرى صراخ طفل أو أنين مريض يأتي من جوفها وأرى جمهرة من الناس يموجون عند البوابة الرئيسية وعويل نساء تصك الأذان وهم في انتظارهم لاستقبال جنازة لهم خارجة لتوها ، رأيتهم حملوها على ظهر عربة وانطلقوا بها نحو أرض المحس ، استخرجنا شهادة تقدير العمر في فترة وجيزة ، خرجنا من المستشفى قاصدين منزل عمنا شيخ طويل ( رحمه الله ) حيث كان مقرا مؤقتا للدراسة لحين اكتمال بناء المدرسة الحالية ، جئنا إليه ووجدته منزلا واسعا لا يختلف عن منازلنا في شكله وهيئته وحجراته ، كنبات مرصوصة داخل الحجرات ، علم يرفرف في وسط الحوش ، بضع تلاميذ يضطربون داخله ، وجدت من عليه الاختيار في القبول يعبثون في التراب في ناحية ، أتذكر منهم عز الدين على عبدون وعثمان عمر واحمد عمر واسماعيل محمد عثمان وتاج الدين الحسن ونور الدين عبده ادريس وعوض محمد عوض وخالد محمد عزالدين وعبد الهادى عوض وعبد المحسن صالح ومحمد صالح عبد الرحمن وغيرهم كثر لا تسعفني الذاكرة ، انضممت إليهم ، بعد برهة رن الجرس رأيتهم يهرعون جميعا نحو صحن الدار ، جريت خلفهم لألحق الصف وأنا لا أعرف ما الذي حركهم بهذه الطريقة التي لم أعهدها من قبل ، وقفنا كالرجال البلهاء ، وكان أبي قد وصاني من قبل بأن أنحني قليلا عندما يمر الأستاذ ــ متفقدا الصفوف ــ حتى لا يظنني كبيرا في السن ويرفض قبولي ، نظرت إلى من هو بيميني وشمالي ، وجدت قامتي ترتفع فوقهما ، انحيت قليلا لأقارب قامتهما منفذا الوصية بحذافيرها ، جاء الأستاذ عزالدين وكان من جهة (كم نية ) ومعه أستاذ آخر يدعى عثمان ممية من جهة (مشو) ، أخذا يتفحصان وجوهنا ــ وهما يمران ــ كمن يتفحص وجه مجرم هارب من العدالة ، كنت خائفا أترقب لدرجة لو أن أحدهم صرخ في وجهي بقوة لوقعت على قفاي ولإنكشف أمري ، مرت الحمد لله الأمور بسلام وتم قبولي ، كان ذلك في صيف عام 1966 ، في هذا العام صرت تلميذا مسجلا في مدرسة نظامية ، في هذا العام تغير نمط حياتي وكانت نقطة تحول كبرى ، في هذا العام ودعت حياة مرحلة الساقية بخيرها وشرها غير مأسوف عليها ، والحق إنها كانت أسوأ مرحلة من مراحل حياتي ، ذقت فيها مرارة الحرمان ، وتجرعت فيها كؤوس الذل والمهانة ، وكان درسا قاسيا وتجربة عسيرة لم أمر بمثلها ، حمدت الله بأن قيض لي هذا الرجل الذي اقنع أبي ، أسال الله تعالى أن يجعله مع النبيين والصالحين والشهداء
ونواصل .....

ود مختار
09-08-2012, 01:18 PM
الحلقة الحلقة الثالثة والثلاثون
قضيت عامي الدراسي الأول أو قل جله في منزل عمنا شيخ طويل هرون (رحمه الله عليه رحمة واسعة ) وذلك لحين اكتمال بناء مدرسة آرتقاشا في العام 1967م ، انتقلنا إلي مقر المدرسة الحالية ، كانت تمتد حولها مساحات كبيرة منبسطة على مد البصر إلا من بضع منازل متناثرة هنا وهناك ، كانت بعضها تتبع لإدارة مستشفى البرقيق وبعضها الآخر تتبع لإدارات المدارس وكانت تقع على الطرف الشمالي والشرقي من المدرسة ، فيما عدا ذلك الميادين والمساحات الخالية كانت تشكل نسبة كبيرة حيث كنا نرى منازل الرعيل الأول من أهلي الذين سكنوا البرقيق وهي مجتمعة في أقاصي الشمال كأنها جزيرة معزولة وسط بحر الرمال العظيم الممتد إلي تخوم كرمة البلد ، كان بعضنا يقطع تلك المساحات ليفطر في منازل أهلي في تلك البقعة ويعود قبل بداية الحصة الثالثة فيما كان الآخرون يحملون طعامهم معهم من الجزيرة في أوان من الألمونيوم تسمى البستلة ، كثيرا ما كانت تلك الأواني تنفلت من الأيدي ويندلق ما بداخلها في جوف المركب أثناء اندفاع الناس نحوه ، كما لم تسلم أيضا حقائب المدرسة من السقوط في الماء فتبتل الكتب والكراسات وبالتالي تضعنا تحت طائلة العقاب ، مثلما كانت البستلات تستخدم لحمل الطعام كانت تستخدم أيضا كسلاح عند اللزوم وذلك حينما ينشب صراع بين اثنين أو مجموعة من التلاميذ ، هذه البستلات بعضها كانت تصمد أثناء المعركة وتعطي مفعولها وبعضها الآخر تتحطم على الرؤوس فتطير أغطيتها وحمالاتها فتتفكك إلى أجزاء من جراء الضرب بها ، كم من الكدمات والجروح ما زالت آثارها تبدو على جباهنا كباقي الوشم في ظاهر اليد وهي تحكي عن ذكريات تلكم الأيام .
كانت أولى خطوات العقاب البدني والنفسي والتعنيف تبدأ منذ أن تطأ أرجلنا ظهر المركب ، في هذه المرحلة يتولى ريس المركب المسئولية كاملة تجاه التلاميذ ، أتذكر إنه في إحدى المرات وكان الفيضان في أوجه ولما بلغ المركب منتصف النهر فوجئنا بسقوط أخينا نور الدين عبد البخيت (نوريا) في النهر وكاد يغرق ويروح في خبر كان لولا أن تدراكه الريس جمعة سليمان ومعه آخرون وأنقذوا حياته ، فالريس كان يعطف في موضع العطف ويغلظ في موضع الغلظة ، تارة يحمل صغار التلاميذ ويعينهم على الصعود في المركب وأخرى يقرع الذين هم بظهر المركب ويأمرهم بالنزول إلى جوفه في سلوك لا تخلو من الصرامة والحزم ، كان الأولوية في التعدية تعطى للتلاميذ خاصة التعديتان الأولى والثانية ، كان الريس يساهم بشكل فعال في العملية التربوية وفي تقويم السلوك المعوج وإشاعة روح النظام والضبط وغرس الصفات الحميدة مثله كمثل المعلم تماما إلا أن هذا عنى بالتربية وذاك عنى بالتربية والتعليم وربما كان دوره أخطر شأنا لأن التربية مقدمة على التعليم ، هؤلاء الرواويس كان لهم فضل عظيم في تشكيل سلوكنا وغرس المفاهيم الفاضلة ،والقيم النبيلة في نفوسنا ، حقيقة تربينا على أيديهم كما تربينا على أيدي معلمين أفذاذ ، ألا بارك الله في كل من عوض بدري وميرغنتود ونصر فروش وفضل كنوز وسلمانتود (رحمة الله ) وتوفيق سيداحمد (أمباشي ) رحمه الله وبقية الكوكبة الذين تعاقبوا على خدمة الناس في رياسة المركب وهم ظلوا وسيظلون محافظين على أداء هذه الرسالة الإنسانية السامية إلى يومنا هذا ، ويورثونها لمن خلفهم ، كانت التربية في ذلك الزمان تربية تضامنية ، يشترك فيها المعلم والريس وكبير القرية والأب وبعد ذلك عامة الناس ، كل يسهم بدوره
تبدأ المرحلة الثانية عندما نصل إلى المدرسة حيث تنتظرنا الحصة الصباحية التي تسبق مراسم عرض الطابور، دائما ما تكون حصة رياضيات ، أتذكر أنه كان هناك معلم يدعى حسن محمد الشيخ من جهة أرقوا يتولى تدريس الحصة الصباحية لفرقتنا ، كان صارما ، مهيب الطلعة ، مهاب الجانب بما فيه الكفاية ، كان الرعب يسبقه إلى قلوب التلاميذ قبل أن يحضر ، تماما كما يسبق البرق والرعد الأمطار الغزيرة ، حزم من عصي النيم الغليظة تتراكم على جانب السبورة ، حالة من الوجوم تخيم على الفصل ، ترفع الأكف بالدعوات بالثبات عند المسألة ، أخيرا يدخل الفصل في هيبة وجلال ويبدأ الحصة أولا بالمراجعة ويشرع في الأسئلة ، يرفع التلاميذ أيديهم ، من يعرف الإجابة ومن لا يعرف ، فيا ويل من لا يرفع يده ، ويا سواد ليل من يرفع يده خوفا ولا يعرف الإجابة فهذا عقابه أشد من الأول ، كان يتجاهل التلاميذ النجباء ويعرفهم كما يعرف الأب أبناءه ، ويوجه الأسئلة للتلاميذ المهملين والأغبياء ويبدأ بالصف الأخير حيث أجلس ويسأل واحدا تلو الآخر ، نعجز عن الإجابة تنهال علينا تلك العصي الغليظة على أم رأسنا أو في الظهر أو في اليد أو في أي مكان ، نتلوى من شدة الألم ونحك ظهورنا بالجدار كما تفعل المعزة وربما نقع على إخواننا ونحتمي بهم وتأتي الضربة عليهم من حيث لا يحتسبون، أما الذين ينتظرون دورهم يتمنى الواحد منهم أن تنشق الأرض فتبتلعه مما هو فيه من الخوف والاضطراب ، كنت أرى بعضهم يبكى قبل أن يلحقه العقاب مما يرى من هوله وتأثيره للآخرين ، كان هذا الرجل مرعبا ويشكل هاجسا للتلاميذ الضعفاء في مادة الرياضيات الذين كانوا يتمركزون في الصفوف الأخيرة من أمثال العبد لله والأخوان نقد هوجال وسعد الدين سعيد وعبد الله سعيد وعبد الله محمد الطيب وعبد الماجد محمد إبراهيم (كنديله) ونجم الدين عثمان نورى وجمال عيدروس مكاوي وآخرون كثر لا تسعفني الذاكرة الخربة ، مع كل هذا الضرب المبرح الذي تلقيناه لم نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في هذه المادة التي كرهناها وكرهنا معها المعلم أيضا ولكن لاحقا علمنا أهمية هذه المادة وخطورتها كما علمنا أن المعلم كان له الحق في ذلك لما لهذه المادة من مكانة في التحصيل العلمي وان الطالب النجيب إنما كان يقاس مستواه بتمكنه في الرياضيات حتى كانوا يطلقون عليها (فراق الحبايب)
بعد انتهاء هذه الجولة المرعبة من صنوف العقاب والضرب تبدأ الحصة ويحدد لنا بعض المسائل لنقوم بحلها في المنزل ويأتي صباح اليوم التالي و هوالآخر ليس بأحسن من سابقه وتبدأ المعركة من جديد وهكذا .
تأتي المرحلة الثالثة وهي مراسم عرض الطابور ، أول ما يخرج إلى الساحة للعقاب هو حامل كرت الرطانة ، كان هذا الكرت عبارة عن قطعة من الكرتون المقوي مكتوب على واجهتيه جملة (لا ترطن) بخط عريض ومنمق ، كان هذا الكرت يتداول بين الأيدي كما تتداول العملة ، كل من يرطن لابد أن يمر به هذا الكرت ، يكون معك في الحل والترحال ويعبر معك إلى داخل الجزيرة ، قد يكون معك في سرير النوم ، قد تجده في السوق ، قد تجده في الحقل ، قد يشهر في وجهك فجأة على حين غرة ، قد تراه وقد لا تراه ، كان بعض التلاميذ الخبثاء يأتي إليك ليلا في المنزل من دون أن تدرى أن معه الكرت ويبادرك بالرطانة ، إذا رطنت معه فقد وقعت في الفخ ويسلمك الكرت ويمضي ، يستمر الكرت هكذا متنقلا من يد إلى يد حتى اليوم التالي ، أول من يخرج هو آخر من أستلم الكرت ، يسأله المعلم : ممن استلمت الكرت ؟ فيرد ، من فلان ، ينادى على فلان ويسأله نفس السؤال ويقول: فلان ، هكذا تبدأ المتوالية العددية حتى يجتمع خلق كثير فيعاقبون أمام الملأ ، كانت هذه الفكرة الجهنمية الغرض منها حمل التلاميذ على التخاطب باللغة العربية فيما بينهم وتقويم لسانهم حتى يتعودوا عليها وهم في واقع الأمر كانوا يفعلون ذلك عمدا أو غير عمد أو لعله فات عليهم بأنهم إنما كانوا يحاربون بطريقة ما على لغتنا النوبية التي نعتز بها والتي نعتبرها لغة التراث ورمز الثقافة ، وما دروا أهمية علوم اللغة ومكانتها في التقدم والوعي الإنساني ، لست أدري ما إذا هذه الفكرة قائمة إلى يومنا هذا أم تنبه القائمون على أمر التعليم على هذا الخطر الماحق لمحاربة اللغات
ونواصل...

ود مختار
12-08-2012, 11:32 AM
الحلقة الرابعة والثلاثون
تأتي المرحلة الأخيرة وهو ما يعرف بالتفتيش ويشمل هذا التفتيش الملابس الخارجية والداخلية وأظافر اليد ونحوها ، كان الواحد منا أحيانا يأتي بجلباب نظيف ولكن ـ بلا مؤاخذه ـ سرواله أسود كقطع الليل المظلم من شدة الوساخة كما تجد صدره موشحا بأنواع من الخرايط قد رسمها العرق والتراب والأوساخ مما يجعلك تحتار ، أما ظاهر الكف فكان يبدوا كظهر السلحفاة بحيث لا تستطيع أن تفرق ما بين الكدمات وبقع الأوساخ المتراكمة عليه ، في هذا اليوم تجد المسطرة مكانتها كوسيلة ممتازة للضرب على ظاهر اليد مما كانت تسببه من آلام مبرحة ، كان الواحد يحبذ أن يجلده المعلم ولا يعاقبه بالمسطرة ، وبعد هذا يخرج التلاميذ الذين لم يهتموا بالنظافة إلى ساحة الطابور وينالون عقابهم ، قبل هذا كله كان التلاميذ يجوبون فناء المدرسة وهم يلتقطون قصاصات الورق والحشائش المتناثرة في عملية تعرف ب(دنقر لقط) ، وبعد الطابور وما يتبعه من تفتيش وأداء تحية العلم وسماع التوجيهات من السيد مدير المدرسة يدخلون إلى الفصول ، يتلقون الحصة الأولى (رياضيات) والحصة الثانية ( لغة عربية أناشيد ) قبل الخروج إلى فسحة الفطور يطلب المعلم من التلاميذ ذوى الموهبة في التلحين أن يلحنوا النشيد فينبري أصحابها ويشرعون في اللحن واحدا تلو الآخر، بعده يختار المعلم أفضل الألحان ويطلب من التلاميذ أن يؤدوها بصوت جماعي مع دقات خفيفة ومنتظمة على الكنبات لتكسبها نوعا من التطريب ، كان ممن اشتهروا بأفضل الألحان الإخوان جمال عيدروس مكاوي وعمر محمد على ونصر الدين عمر احمد وغيرهم وكان لأخينا جمال نصيب الأسد في التلحين .
بعده نخرج إلى فسحة الفطور ونتجه إلي المكان الذي يقبع فبه البستلات وهي ملأى بأنواع الطعام، بعضها كسرة بأي نوع من أنواع الطبيخ ، كنا لا نحبذ الملاحات بقدر ما نحبذ الفطيرة بالحليب والشعرية (عقاب السحور) والزلابية كما كان السق بالإجي ندي يأخذ مكانه ، كنا نفطر في ساحة المدرسة في شكل جماعات وفرادى ، كان بعض التلاميذ لا يحضر معه فطوره وإنما كان يتطفل على الموائد ، بعضهم كان يطوف على الموائد ويأتي وقد امتلأت يده بأنواع الملاحات واللبن ويقف فوف المائدة مادا يده تلك وهو يقول : (شقيا ) بفتح الياء مع التشديد وتعني العبارة : يعني هل تسمحوا لي أن أضع يدي لأتناول لقمه ، كان عبد الله سعيد وسعد الدين سعيد ومحمد أدريس العربي وغيرهم مشهورون بهذه الصفات ، كنا نسميهم (قوسكي كا كلودا) والعبارة تحمل معاني الشراهة والنهم والتطفل وغير ذلك أو قريب من هذا ، كان بعض الخبثاء من التلاميذ يتظاهر بالمرض فيخرج قبل فسحة الفطور ويسطوا على تلك البستلات ويفتك بها يمينا وشمالا حتى يجعلها قاعا صفصفا لا ترى فيها عظما ولا لحما .
كان مدير المدرسة آنذاك أستاذ يدعى جمال من جهة المحس ، كان له مشية مميزة يميل إلى جنبه اليمين قليلا أثناء المشي كنا نطلق عليه (أبو جنبه) وأستاذ آخر يدعى فرح كان ماهرا في كرة القدم ، الأستاذ نجم الدين حمزة (رحمة الله عليه ) وكان أيضا صارما ، في فترة لاحقة استلم الأستاذ عابدين مقاليد الإدارة وكانت هذه الفترة من الفترات الذهبية في تاريخ المدرسة ، كان رجلا إداريا من الطراز الأول كما كان من الأساتذة الذين يشار إليهم بالبنان في مادة الرياضيات ، وقد ترك بصمات واضحة في رقي وتقدم المدرسة ولا أنس تلك الكوكبة النيرة من أركان حربه من أمثال الأستاذ عبد الرحمن الجزولى والأستاذ ضوالبيت في مادة اللغة الغربية والأستاذ توفيق في مادة الجغرافيا والأستاذ حسن محمد الشيخ والأستاذ صلاح حجازى في مادة الرياضيات والأستاذ عبد الله في التربية الإسلامية والأستاذ محمد عثمان في مادة التاريخ ، كان الأستاذ عبدون حديث عهد بالتدريس وكان الوحيد من أبناء آرتقاشا الذين تلقينا عنهم العلم ، كان يدرسنا مادة التربية الوطنية عند أول تعيينه .
كانت قد مرت بي أحداث لا تخلو من الطرافة في تلك المرحلة أذكر منها : موقف حدث لأخينا نجم الدين عثمان كاشوب ، كان مشاكسا وشقيا ، كان يجلس بجوار تلميذة تدعى (س)، وتجلس بجانبها تلميذة أخرى تدعى (ح)، كان نجم الدين هذا واحدا من الذين هاموا بحب (س) وهي في الحقيقة كانت فتاة جميلة للغاية ، كان أحدنا لا يستطيع أن يتجرا على أن يفصح لها بما يعتمل في صدره ، ومن نحن حتى ندخل في مثل التصرف الذي كان يستهجنه الناس ؟ ثم إننا ما زلنا في أول الطريق ولا نعرف هذه الأشياء ، ما علينا ، كان نجم الدين مغرما بها أشد ما يكون الغرام ، وفي مرة من المرات أفصح لها ما كان يعتمل في قلبه العليل ، وأخذ يغازلها فيتودد إليها بأرق العبارات وأجمل الكلمات لعلها تشفيه من آلام الجوى والبرحاء ، فشكته إلى مدير المدرسة ، جاء المدير والشرر يتطاير من عينيه ليعاقبه أمام الفصل عقابا رادعا حتى يكون عبرة للآخرين ، لما رأى ذلك ما كان منه إلا أن قفز من خلال النافذة وانطلق يعدو قاصدا المشرع ، طلب المدير منا أن نلحقه ونعيده ، انطلقنا وراءه في جلبة وصياح كمن يطارد فريسة نافرة ، كان سريعا بحيث لم يستطع أحدنا اللحاق به ، لست أدرى أي قوة هبطت عليه في تلك اللحظة ، لما بلغ النهر لم يقف ويستسلم بل وقع بثيابه في النهر وأخذ يسبح كالتمساح حتى خرج من الجهة الأخرى ، أي من جهة الجزيرة ، لا أتذكر ما حدث له بعد ذلك .
ومن الطرائف أيضا ما حدث لنا أنا والأخ جمال عيدروس مكاوي وكان الطرف الآخر من ذلك الحدث شقيقي عبد الهادي مختار ، كان أخي عبد الهادي مميزا في مادة الرياضيات لدرجة أنه كان يستطيع أن يحل تمارين الدرس اللاحق ، كنت أنا وأخي جمال لا نفقه في الرياضيات شيئا ، كنا أبلد خلق الله فيها ، كان الأستاذ عابدين مدير المدرسة يدرسنا هذه المادة وبعد كل نهاية حصة يطلب منا حل التمارين في البيت على أن تصحح في اليوم التالي ، كنا نراقب عبد الهادي من حيث لا يدري حتى إذا ما فرغ من حل التمارين ويذهب في الحقل ، نأتي ونأخذ كراسه وننقل حل التمارين( بضبانتا ) كما يقولون وبخط أجمل من خطه وبنظام أجمل من نظامه حيث كنا ماهرين في الخط والنظام ، يأتي المدير من غده وقد أثلج صدره ، وملأ السرور قلبه ولسانه لا يكف عن الثناء وعبارات التشجيع والمثابرة ويتباهى في بعض المواقف قائلا : محمد الحسن وجمال (أولاد زى الشطة في الرياضيات ) عبد الهادي أصلا كان معروفا لديه ، أما نحن لم نكن معروفين ، لذا صدقنا حتى إذا كان في يوم من الأيام ذقنا فيه مرارة الذل والإهانة وانكشف أمرنا على الملأ وكانت فضيحة بجلاجل ، عقد لنا امتحانا مفاجئا وانتظرنا حتى فرغنا منه ، وجمع الكراسات وأخذ يصحح ، عندما جاء إلى كراساتنا لم يجد خطوة واحد صحيحة وكان حصيلتنا صفرا كبيرا ، استغرب ( وأخذ يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ) تأسف لهذا المسلك الشنيع ، وعاقبنا عقابا قاسيا لم ننساه .
ومن الطرائف أيضا ما حدث لأخينا محمد عبد اللطيف إبراهيم (محمد تلول ) كان يأتي إلى المدرسة لحضور درس العصر كعادتنا ويرى مجموعة من القمارى تسرح وتمرح داخل فناء المدرسة ، أعجبه ذلك وفي اليوم التالي أحضرا شركا وكمنه في المكان الذي ينزل فيه القماري، واتخذ مكانه بالقرب من النافذة وشرع يتابع القمارى بعين ويتابع المعلم بأخرى ، فجأة سمعناه يصرخ بأعلى صوته (تورسن، تورسن ، والله تورسن) يعنى قبض ، قبض ، والله قبض ) ثم قفز عبر النافذة وأخذ يعدو نحو الشرك ، استغرب المعلم وظنه في بادي الأمر قد جن ولكن فيما بعد عرف أنه إنما جاء ليصطاد لا ليتعلم وكان جزاءه العقاب العسير.
ونواصل ....

ود مختار
12-08-2012, 11:40 AM
الحلقة الخامسة والثلاثون
كان الطلاب الذين عليهم نظافة الفصول يغادرون الجزيرة في الصباح الباكر في أول معدية بينما يأتي الآخرون على إثرهم ويعاونون عمنا عبد الحفيظ حاج عبد السلام ( أمد الله في عمره ) في ملء الأزيار، كما كانت طائفة منهم يسقون أحواض البرسيم وبعض الأشجار القائمة داخل فناء المدرسة ، كل هذا النشاط كان يتم قبل عرض مراسم الطابور الصباحي ، كانت هناك أنشطة تتم خارج نطاق المدرسة منها الزيارات التي كانت ضمن المنهج المصمم لبعض المواد الدراسية كمادة الجغرافيا والعلوم ، كنا نقوم بزيارة مدير مكتب الزراعة ومدير مستشفى البرقيق وغيرهم وذلك بعد أعداد أسئلة مسبقة تتم توزيعها على الطلاب الذين سيقومون بطرحها على هؤلاء المسئولين ويكون بصحبتهم أستاذ المادة ، ويسبق هذا العمل كله بروفات مكثفة منذ أيام يتعلم فيها التلاميذ إدارة الحوار وإلقاء الأسئلة لهؤلاء المسئولين ، نعود بعدها إلى المدرسة بعد قضاء يوم ممتع ، كانت من ضمن الأنشطة أيضا البحث عن الكنز وفكرته أن يقوم أستاذ الجغرافيا بدفن حلوى في مكان ما خارج سور المدرسة ليصل إليها التلاميذ عن طريق خرائط معدة من قبل وموزعة للتلاميذ وذلك بعد تقسيمهم إلى عدة مجموعات تكون بحوزة كل مجموعة خريطة تختلف عما هي عند المجموعة الأخرى ، تسلك هذه المجموعات في أثناء سيرها طرقا متعرجة أو مستقيمة ، في بعض الأحيان يمرون بمعالم متعددة ، مثل المستشفى ، السوق ، مكتب الزراعة ، منازل المعلمين ، القوز ، ترعة الماء الكبيرة ، وما إلى ذلك من المعالم حتى يصلوا مكان الكنز، كانت كل مجموعة تسابق الأخرى للحصول عليه ، غالبا ما كان يحمل الخريطة قائد المجموعة يتبعه الآخرون ويرشدونه إلى الطريق الصحيح إذا ضل .
كما كانت هناك زيارات من نوع آخر تتم داخل الفصول في مادة الجغرافي أيضا وهي الزيارات التعريفية لمناطق السودان المختلفة ، كزيارة صديقنا (صديق عبد الرحيم) في (القولد ) وصديقنا محمد نصر في (الجفيل) وحاج طاهر في (محمد قول) والقرشي (في ريرة) وابن الفضل في( بابنوسة) ومنقو زمبيزي في (يامبيو) وغيرها من المناطق المتعددة ، كان مضمون هذه الزيارات تعرض في شكل نص أدبي جميل وسلس العبارة مصاغة بكلمات بسيطة سهلة الإيقاع والحفظ ، ألفه الشاعر السوداني القدير عبد اللطيف عبد الرحمن أحد التربويين القدامى ، وقد بث في ثناياها ثقافات وعادات وتقاليد تلك البقاع وما يمتهنها أهلها من مهن مختلفة ، كان هذا النص يؤدى بلحن جميل وآسر وبصورة جماعية أتذكر منه أبيات :ــ
في( القولد) التقيت بالصديق ــــ أنعم به من فاضل صديق
خرجت أمشي معه في الساقية ـــ فيا لها من ذكريات باقية
وكم أكلت معه (الكابيدة) ــــ وكم سمعت أورا وا ألودا
ودعته والأهل والعشيرة ــــ ثم قصدت من هناك ريرة
نزلتها والقرشي مضيفي ــــ وكان ذاك في أوان الصيف
ومن هناك قمت للجفيل ـــــ ذات الهشاب الناضر الجميل
وكان سفري وقت الحصاد ـــ فسرت مع رفيقي في البلاد
ومرة بي فيها سليمان على ـــ مختلف المحصول بالحب امتلا
ومرة بارحت دار أهلي ـــ لكي أزور صاحبي ابن الفضل
ألفيته وأهله قد رحلوا ـــ من كيلك وفي الفضاء نزلوا
في بقعة تسمى بابنوسة ـــ حيث اتقوا ذبابة تعيسة
ما زلت في رحلاتي السعيدة ــ حتى وصلت يامبيو البعيدة
منطقة غزيرة الأشجار ـــ لما بها من كثرة الأمطار
قدم لي منقو طعام البفرة ــوهو لذيذ كطعم الكسرة
وبعدها استمر بي رحيلي ــ حتى نزلت في محمد قول
وجدت فيها صاحبي حاج طاهر ــ وهو فتى بفن الصيد ماهر
ذهبت معه مرة في البحر ـــ وذقت ماء لا كماء النهر
سرد الشاعر خلالها معالم كل منطقة من مناطق السودان وأهم الأنشطة الزراعية والثقافية والاجتماعية .
في الواقع كانت القصيدة مشحونة بمضامين تعليمية وتربوية عالية ومترعة بمعاني ودلالات عميقة تربط التلميذ بوطنه بل قد تذهب إلى أبعد من ذلك بحيث تربطه بالعالم الخارجي مع بعض الأصدقاء أتذكر منهم صديقنا (آفو) في الصين و(وليم) في انجلترا و(أحمد ) في مصر ، و... في هولندا و... في فرنسا وإلى آخره من الدول والأصدقاء .
أما في مادة العلوم كانت توزع للتلاميذ كراسات كبيرة صفحاتها غير مسطرة تسمى (المدونة) يحملها معه التلميذ ويجوب الحقول والشواطيء ومناطق تجمع الطيور ومساقط المياه والخيران والجروف المخضرة ، يرسم فيها ما يراه من حشرات غريبة وطيور ملونة ويكتب أسماءها أمام كل واحدة ثم يعرضها من غده للأستاذ لينظر فيها ويكتب تعليقه ، كان بعض التلاميذ الكسالى ينقلون من أصحابهم ما كتبوها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث وذلك قبل تسليم المدونة بنصف ساعة ، كان الغرض من هذا العمل هو تعريف التلميذ ببيئته وربطه بواقعه وما تزخر به من الحياة البرية وتدريبه التعلم عن طريق التجربة والملاحظة واستخلاص النتائج .
رحم الله أولئك التربويين الذين ربطوا التلميذ بالبيئة المحيطة من خلال تلك المناهج القيمة التي كانت من ضمن أشياء ثمينة اختفت من مدارسنا وما زال صداها يتردد في الآذان إلى يومنا هذا وحلت محلها مناهج جامدة لا حس فيها ولا روح .
أما من الناحية الصحية ففي سنة من السنوات انتشر داء الرمد والتراكوما في أوساط أهلنا وكاد يتحول إلى وباء ، جاءنا في المدرسة فريق طبي معه كميات من الكراتين المعبأة بكريم المس ، اختارت إدارة المدرسة عدد تلميذين أو ثلاثة من كل حلة ليقوموا بوضع المس في الأعين عند العشية حيث كان التلاميذ يطوفون منازل الحلة منزلا منزلا ، كانوا يتفانون على أداء هذه المهمة ، أتذكر كنت أنا وأخي جمال عيدروس مكاوي نطوف على حلتنا بعد صلاة المغرب ،وأتذكر أنه أعطونا بعد فراغنا من عملنا مبلغا مقدرا من المال ما كنا نحلم به في حياتنا كما لا أنس ذلك اليوم العصيب الذي اجتمع فيه الناس أمام منزل الشيخ أرصد محمد بشير (رحمه الله) في اليوم الختامي لاستلام نوع من الصابون الطبي الذي سيتم توزيعه على الناس مجانا ، وأخبروا الناس بذلك ، أخذ الناس يفدون إلى منزل الشيخ منذ الصباح الباكر وازدحموا ازدحاما شديدا ، نساءا ورجالا وشيبا وشبابا ، كادوا يزهقون أرواحهم في سبيل الحصول على هذا الصابون ، لم يستطع الموزعون أن يسيطروا على الموقف بل وتعرضوا على هجوم للكراتين وكادوا يسحقوا تحت أقدام المهاجمين لولا عناية الله ، ما أن يرى الناس كرتونا في يد أحد المسئولين إلا وينقضوا عليه كالذئاب الجائعة ، فكر المسئولون في أن يعتلي مجموعة من الشباب جدران المنزل ويرموا عليهم من الأعلى ، أخذوا يرمون والناس تحتهم يتلقفونه في جو من العراك والمدافعة والصراخ من شدة الضغط بفعل التراكم فوق بعضهم ، يصحبه أحيانا الضرب واللكم والنزع بالقوة من الأيدى ، بينما طائفة أخرى سلمت أمرها لله وانتظرت حتى تجود عليهم أصحاب القوة والبأس من الشباب ، استمرت المعركة من الصباح إلى ما بعد صلاة العصر وانتهت بخسائر فادحة تمثلت في تمزيق الملابس وضياع الأحذية والطواقي وبعض الكسور والكدمات الطفيفة .
ونواصل ...

ود مختار
13-08-2012, 08:57 AM
الحلقة السادسة والثلاثون
حينما بلغنا الصف الرابع عام 1969م حدث انقلاب ثورة مايو بقيادة الرئيس جعفر نميري ، خرجت المدارس في تظاهرات كبيرة تأييدا للثورة ، خرجنا في مسيرة نجوب أنحاء البرقيق وكرمة البلد كما انتظمت مسيرات أخرى داخل الجزيرة يقودها الأخ هرون إدريس (أطال الله بقاءه) وعبرت النهر حتى بلغت أقاصي كرمة ، استغل بعض الشباب الذين عاشوا في فراغ في تلك الأيام هذه الفرصة وخلقوا برنامجا ليكسروا الجو الرتيب وتجمعوا في مناطق( أرهيسن كتي ) و(ابشمار) وأخذوا ينطلقون في شكل مسيرات ليلا يتقدمهم العازفون المهرة من أمثال عبد الكريم الكابلي ومصطفى شيخ عووضة وعبد النبي طه وغيرهم يجوبون الجزيرة في الليالي المقمرة يعطرون أجواءها بأجمل الألحان والأهازيج والأكف تصفق والحلوق ترسل أندى الأغاني حتى يصلوا( أبوزيد مار) في أقصى الجنوب ثم يعودوا الكرة وهكذا .
في هذه الفترة بدأت مواهبي تتفتق ، بدأت أصنع الشراك والطنابير والسواقي والسيارات والمراكب والفؤوس والطواري والمناجل وحتى العود صنعته ، كان أكثر ما يستهويني العزف على آلة الطنبور وكان لنا مكان مميز عبارة عن مسطبة مجاورة لحجرة المطبخ مطلة على الشارع نجتمع عنده في الأمسيات للعزف والغناء ، كان عمي شرف الدين (رحمه الله ) رجلا صارما ذا ورع وتقوى يمر من حولنا وهو يحمل أبريقة قاصدا الخلاء ، إن تصادف أن رأى آلة الطنيور في أيدينا يمسكها ويكسرها إربا إربا ويقفذها فوق سقف المنزل ، في اليوم التالي نذهب إلى السقف ونعيد سيرتها الأولى ونستمر في الغناء والعزف كأن لم يحدث شيئا .
أما في ساعات النهار كنت أصنع ( الجانن جن كلى ) كنت أسخر الإخوان محمد صالح عبد الرحمن وخالد عثمان نوري والمرحوم مصطفى محمد ابراهيم وجمال عيدروس لجلب جذوع العشر لصناعتها ، يأتي صبيان الحلة والحلال الأخرى ويقضون سحابة يومهم معنا .وفي مرحلة لاحقة صنعت ساقية مختصرة ، مكونة من الحلقة الداخلية فقط ( الأتي ) بعد أن فرغت من صناعتها حفرت بئرا واسعة في داخل الحديقة الملحقة بالبيت ووضعت من فوقها هذه الحلقة وجعلت عليها ( الألس ) أي الحبل الغليظ وربط فيه قواديس من الجركانات والعلب الكبيرة الفارغة ، وجعلتها تدار بالأيدي بدلا عن الأبقار ، كان الناس يأتون لمشاهدتها بعد أداء صلاة الجمعة ويطلبون مني أن أديرها ، كنت أقف في مكان معين وأمسك بأعواد الحلقة وأجذبها نحوي فتمتليء القواديس وتصب الماء في السبلوق ومنه يجرى إلى الحقل ، زرعنا بها عيش الريف في الحديقة ولاقت نجاحا منقطع النظير ، أما العود فقد قمت بتجويف جذع عشر ضخم ونحته على هيئة العود بالضبط وشددت عليه الأوتار بواسطة مفاتيح كما هو الحال في آلة العود ، شرعت أعزف عليه حتى تعلمت ، كان هو الآخر واحدا من الأشياء التي كانت تجذب الناس للفرجة بجانب الساقية ، كنت موهوبا في ذلك الزمان ولكن للأسف الشديد العبد لله لم يجد من يتولاه ويأخذ بيده .
كم من الرحلات المدرسية كنت أحمل معي آلة الطنبور للترفيه وتزجية الوقت ، في أحد الأيام قمنا برحلة إلى( تمبس ) في أرض المحس وأخذت لي صورة وأنا متأبط طنبوري فوق صخرة عالية ومن أمامي يرقد( الأقج نندى) ذلكم التمثال العملاق وبجانبي يظهر في الصورة الأخ فضل محمد صالح (فضل كمبتود) بأسنانه الأمامية التي تشبه الطورية ، يبدو أنه كان في آخر انبساطة ، كانت تلك الصورة موجودة إلى وقت قريب ولكن افتقدتها ضمن ما افتقدت من مقتنياتي .
في ذلك الحين كانت قد انتظمت الجزيرة تظاهرات ثقافية ورياضية لم تشهدها الجزيرة من قبل ، كانت لها طعم ونكهة خاصة ، أذكر إنه في أوائل السبعينات اجتمع تحت لبخ السيد الحسن الإدريسي (رحمه الله ) عدد من طلاب الثانوي العالي من أمثال عبد الله محمد خير وعبد الهادي صلاح الدين وعطا على محمد خير وعبد الله عمر ومحي الدين إدريس (رحمه الله) ومصطفى صلاح الدين ومحد ساتي زيادة وعباس محمد أحمد وصالح محمد عزالدين وعبد الرحيم أحمد حامد وعبد الوهاب محمد خير وعبدون حمد عبدون وغيرهم كثر اجتمعوا لإقامة ليلة ساهرة كبرى ودعونا نحن الجيل الأصغر لحضور الاجتماع لأننا ستوكل علينا تقديم بعض الفقرات ، وضعوا اللمسات الأولى وتم اختيار المواضيع وحددت الأدوار والأفراد ، بعده أخذوا يكثفون البروفات ويعقدون الجلسات مرة في منزل عمنا ساتى زيادة (أطال الله بقاءه ) ومرة في النادي الملحق ببيت السيد الحسن الإدريسي (رحمه الله ) إذن اكتملت كل الترتيبات وتم تحديد منزل عمنا حاج بشير فضل (رحمه الله ) مكانا لعرض الليلة الساهرة الكبرى ومن قبل أعدت التذاكر ووزعت على الناس ، أصبح كل شيء مرتبا وأعلنت ضربة البداية ، اعتليت خشبة المسرح أنا ومجموعة الكورال المكونة من الإخوان عبد الله محمد محجوب ونصر الدين عمر وعبد الله فضل أرصد وجمال عيدروس وأزهري الزبير وعمر محمد على لإلقاء نشيد (أمة الأمجاد ) وكان في أول أيام ظهوره ، قمنا بأدائها أحسن ما يكون وذلك بمصاحبة آلة الطنبور وقد لاقت عاصفة من التصفيق من جمهور الحضور كما قدم أخونا محمد عابد نصر أغنية سيرة تقول كلماتها :ــ
الليل الله ليل يا ريلا ـــــ بالبص المعشق أشيلا
كنت أعزف له الطنبور وحوش عمنا بشير يموج يومذاك بالنشوى والطرب ، أعقب هذا الفاصل فقرة التمثيليات فقد أجاد مصطفى صلاح الدين وبقية الشباب ، استمرت الليلة حتى وقت متأخر وأخذ يتناقلها الناس وصارت حديث القاصي والداني لأيام وأيام ، كان ذلك يوما مشهودا في خارطة النشاط الثقافي في تاريخ الجزيرة ، ثم بعد فترة أقيمت ليلة أخرى في منزل خالد سيد احمد (أطال الله في عمره ) ولكن الذين قاموا بها من الجيل الثاني والثالث من أمثال الإخوان فيصل الزبير وعبد القادر محمد خير ويثرب محمد عبد الله وغيرهم ، ثم انتشر العمل المسرحي في الأحياء والقرى ، مرة في( سوارنمار) بقيادة كمبيشي وفي (فروش مار) بقيادة عبد القادر على ، وهكذا ولا أنس في خضم هذه الأحداث شباب البرقيق وما كانوا يقدمونه في مجال العمل المسرحي ، في فترة من الفترات جاء الأخ أنور محمد فقير ومعه آخرون واحيوا هم أيضا ليلة ساهرة برز في تلك الليلة الأخ أنور بمواهب فذة في التمثيل وتألق نجمه في مجال الدراما والمنلوجات ومن ضمن المنلوجات التي أتذكرها إلى الآن تلك التي قدمها على غرار أغنية قديمة تقول كلماتها :
ما دوامة الله هوى ــــ الدنيا ما دوامة
بدأ أنور يقول المنلوج على نفس اللحن بالرطانة ويرددها قائلا :
طير يا فوجنجي الله هوى ـــ وادي السلام للبنتي
الله هوى
وادي السلام للبنتي ـــ جنني جنن القوكنجى
الله هوى
وغيرها من التمثييليات التي برع فيها أخونا أنور فهو إلى يومنا هذا يمتاز بهذه الروح المرحة وسرعة البديهة والقفشات الظريفة التي تنتزع منك القهقهة ، أتذكر أنه كنا مرة من المرات عندما كنا طلابا في المرحلة الثانوية امتطينا ظهر لوري متجه إلى دنقلا وكان مكتظا بالطلاب ، كنا في السطح أنا وأنور واسماعيل محمد عثمان وجمع من الطلاب وعندما بلغ بنا منطقة (أرقو) خرج علينا كلب وأخذ يعدوا خلفنا وهو ينبح ولما ازداد نباحه ، رد عليه أخونا أنور قائلا : ما في طريقة ، ما في طريقة ، راكبين فوق بعض ، راكبين فوق بعض ، فانفجرنا بالضحك حتى كدنا نقع من على ظهر اللوري .
ونواصل ....

ود مختار
14-08-2012, 10:57 AM
الحلقة السابعة والثلاثون
أما النشاط الرياضي لم يكن ذا أهمية تذكر في فترات سابقة حيث كان النشاط الزراعي هو الشغل الشاغل للناس بل كان أهلنا يستهجنون من يمارس الرياضة ويسخرون منه أضف إلى ذلك أنه لم تكن هناك مساحات أو ميادين ثابتة تمارس فيها كرة القدم ، كانت كلها محتكرة للزراعة ، كان الشباب يستغلون بعض المساحات التي تترك بورا وعندما يهم أهلها لاستصلاحها تمهيدا لزراعتها ينتقلون إلى مساحات أخرى
كان الشباب الأوائل من أمثال أخونا فروش أحميدي ومختار فقير وعبد الله حاج سهولي يمارسون كرة القدم ليس بالكرة العادية ولا بكرة الشراب وإنما كانوا يجلبون نوعا من القرع الجاف يسمى ( الكبي ندي ) ويلعبون به في الليالي المقمرة في أرض لم تكن مستوية ، كان الأخ مختار فقير يملك قدما قويا يضرب به الكرة وتطير معها كمية من حجارة ( التكناد ) ولذا سموه مختار حجر ، كنت أشاهدهم وأنا صغير. كانت هناك ثلاث مساحات معروفة تمارس فيها كرة القدم ، أولاها الأرض الفضاء الكائنة شمال منزل الأستاذ عبد المنعم حاج سهولي ( رحمه الله ) وثانيها المساحة الواقعة شرق منزل عمنا بشير طمبل ( رحمه الله ) وثالثها أرض القرير التابعة لحيازة الشيخ أرصد محمد بشير ( رحمه الله ) هذه هي المساحات التي كانت تستغل لممارسة كرة القدم ، أما فيما عدا ذلك فكان كل شباب حلة يتخيرون هم بدورهم أيضا أماكن خاصة بهم سواء كانت على أطراف القرية أو المناطق المتاخمة للنيل .
ظهرت الرياضة بصورة منظمة إلى حد ما في الجزيرة بعد أن التحق أبناؤها من الرعيل الأول بالمدارس ومارسوا فيها ثم تلاهم الجيل الثاني والجيل الثالث وهكذا ، كان أول فريق يتكون من الجيل الأول ومعهم بعض أفراد من الجيلين الثاني والثالث ، كان على رأسهم الإخوان مصطفى صلاح الدين وعبد المحسن عبد الله ومحمد ساتي زيادة والأستاذ مصطفى عوض صالح عند أول قدومه من ( الدويم ) وكان ماهرا في لعب الكرة وتولى قيادة الفريق فترة من الزمن والأستاذ عبدون حمد عبدون وصالح محمد عزا لدين وهاشم محمد عبد الله والأستاذ عبد الوهاب محمد خير(من الجيل الأول ) ومأمون عبد اللطيف وفيصل حسن وفيصل الزبير وعبد الماجد على إبراهيم وشاكر محمد فرح وعوض علي عثمان وعبد الله محمد محجوب ( من الجيل الثاني ) وشخصي الضعيف وعبد الله فضل أرصد ونصر الدين عمر أحمد وتاج الدين محمد إبراهيم ( حارس مرمى ) وإسماعيل محمد عثمان من (الجيل الثالث ) ومن الجيل الذي يلينا الأستاذ عبد المعروف محمد على ( حارس مرمى ) ومكاوي عبدون ويعقوب عرمان وأيوب محمد صالح .
كان هذا هو الفريق الأول عند تكوينه واختار له الأستاذ عبد الوهاب محمد خير اسم فريق الطليعة .
في فترة لاحقة عندما سافر معظم شباب الجيل الأول حل محلهم عناصر ممتازة خاصة من ( عرمان مار) أمثال عبد الهادي عبدون ونصر الدين محمد صالح وعبد المحسن محمد عمر ( جولون ) وحسن عبدون وأخوه مكاوي حارسا للمرمى بديلا للأخ تاج عندما سافر لتلقي الدراسة الثانوية في مدينة بورت سودان وإسماعيل هرون ، كما جاء إلى الجزيرة بعض الشباب من المدن الأخرى وأثروا الفريق بإبداعاتهم منهم الأخ صلاح أحمد إبراهيم من ( شندي ) والأستاذ عبد المنعم حاج سهولي من ( عطبرة ) وقد نقل إلى مدرسة البرقيق الثانوية آنذاك والأخوان حاج أمين سهولي وجمال سهولي من ( الخرطوم ) وعمر محمد علي وعبد الهادي مختار .
كان ميداننا هي المساحة الخالية شمال منزل الأستاذ عبد المنعم ( رحمة الله ) وكان هو الوحيد الذي ينزل الميدان بكامل زيه الرياضي وينتعل غالبا حذاءا من نوع (باتا) وأما الباقون لم تكن لهم ملابس رياضية وإنما كانوا يرفعون طرف جلبابهم ويربطونه على خاصرتهم وينزلون في أرض الميدان كمن يريد أن يسقي الزرع أو يحصد كما كان بعضنا ينزل بالعراقي ويطارد الكرة في جلبة وضوضاء هؤلاء كانوا خارج التشكيلة ولا أنس بعض أهلنا الترابلة الذين يمرون بالجوار ، كان أحدهم إذا أعجبه اللعب ينزل من على ظهر حماره ويسلمه لأحد الغلمان وينزل الملعب ويطارد الكرة كمن يطارد عجلا نافرا له .
في إحدى المرات نزل عمنا أحمدون عبد الله ( رحمه الله ) في الملعب أثناء عودته من الحقل وعلق سعن اللبن ــ وقد كان مليئا ــ في أحد القوائم ونزل يطارد الكرة وسط جمع من الشباب يميزه طوله وهيئته التي لا تشبه هيئة الرياضيين وشرع يجرى يمنة ويسرة ويلهث كقاطرة البخار القديمة ، تارة يصطدم بنقطة مرتفعة فيقع على الأرض من طوله وتارة أخرى يحاول انتزاع الكرة من أحد الشباب فيسحب منه الكرة في خفة فيقع على وحهه ثم يقوم وهو يتمتم بكلمات مبهمة ويعاود محاولاته اليائسة ، وثالثة يصطدم بأحد الشباب بدون كرة فيقعان معا على الأرض والناس ينفجرون في ضحكات متواصلة مما يحدث أمامهم ، سدد أحد الشباب قذيفة نحو المرمى فبدلا من أن تلج الشباك جاءت على سعن اللبن ، انفلت السعن وطار مسافة ثم هوى على الأرض وانسكب اللبن كله على الأرض مما جعل الناس تنفجر في الضحك لكن هو لم يهتم بما حدث وعزم على أخذ الكرة بأي وسيلة كأنما كان يعزم أخد ثأره للبن المسكوب ، وأخيرا عندما واتته الفرصة الأولى ضربها بمقدمة قدمه اليمنى فطارت في الهواء محدثة صوتا تقول : فشششش عندها علمنا أنه أحدث ثقبا بأظافره القوية بعدها توقفت المعركة بينه وبين الكرة بعد أن فقد لبنه وفقدنا نحن كرتنا التي اشتريناها بشق الأنفس من سوق البرقيق ، الله يرحمك عمي أحمدون فكم كنت بريئا كبراءة الأطفال وبسيطا وأبيض القلب مرحا كعادتك .
ونواصل ...

ود مختار
15-08-2012, 07:50 PM
الحلقة الثامنة والثلاثون
ومن مواقف ذالك الزمن التي مازالت عالقة في ذهني أنه مرة عقدنا العزم على خوض مباراة ضد فريق البرقيق واستعدادا لهذه المباراة دخلنا في معسكر مقفول تحت لبخ السد الحسن الإدريسي ( رحمه الله ) وكان المشرف على الفريق وإعداد المعسكر هو أخونا أنور محمد الحسن ( رد الله أوبته ) على الرغم من أن أسرته كانت تقطن بالبرقيق وكان من الممكن أن يلعب مع فريق البرقيق ولكنه آثر اللعب بجانب فريق آرتقاشا لما كان يحمل بين جنبيه من حب عظيم لموطن آبائه وأجداده ، والحق أن فريق البرقيق نفسه كان معظم عناصره من شباب آرتقاشا من أمثال على محمد علي وعثمان محمد يوسف وجمال محمد حاج غيرهم ، كان الأخ أنور كعادته نشيطا ذا همة وعزيمة لا تعرف الكلل والملل ، كان يمثل دور رئيس الجهاز الفني والمدرب معا وحمل على عاتقه تكاليف إعداد هذا المعسكر ، كان ذاك اليوم يوما رائعا بكل ما تحملها الكلمة من معنى، أكلنا فيه كل ما لذ وطاب من لحم الدجاج بالأرز ثم الكستر أخيرا ، لأول مرة نرى فيها المائدة تخلو من الويكة وأخواتها لحين إشعار آخر ، كان أخونا عبد الوهاب ( كوشه ) من كبار المشجعين هو والأستاذ مبارك الزبير ومحمد شباب ، كان لعبد الوهاب شرف المشاركة في المعسكر وطبعا أنتم تعلمون ما للرجل وما يتحلى بها من ظرافة وخفة الروح والمرح والتعليقات الساخرة التي تنتزع منك الضحكات ، المهم عبرنا عصر ذاك اليوم النهر إلى البرقيق ، كنت ألعب في خانة الدفاع أنا وعبد المحسن جولون بينما أخونا عبد الهادي عبدون يلعب في خانة السيرد باك ومكاوي أخوه حارسا للمرمى وعبد الهادي مختار جناح يمين وإسماعيل هرون جناح شمال ونصر الدين محمد صالح وأستاذنا عبد المنعم سهولي في الوسط وعبد الماجد علي إبراهيم وإسماعيل محمد عثمان استوبر على ما أعتقد ، أعلنت صافرة البداية ، مرة نكر عليهم وأخرى يكرون علينا وجمهورنا يهتف ويشد من أذرنا ، كنت أسمع صوت عبد الوهاب يرتفع من جنبات الملعب وهو يصيح في إسماعيل هرون قائلا: يا إسماعيل شاكوش ( امبل الكرة يا راجل ) (يا راجل املأ الوابيه بتاعتك ) ( الكستر داك ما يبقى مويه ) وعندما يتعثر أحدنا أثناء جريه يقول ساخرا : ( لو كنت ماكل ويكه كنت سويت شنو ) ومرة أخرى يقذف عبارة ليست لها علاقة بالموقف كأن يقول : ( أجرى يا راجل إنت عندك إسهال ولا شنو) والناس حوله يزحفون على الأرض من كثرة الضحك ، انتهت المباراة لصالح فريق البرقيق 1/ 0 أحرزه عثمان محمد يوسف من وسط الملعب ، رجعنا خائبين نجرجر أذيال الهزيمة وكلمات عبد الوهاب كوشه وتعليقاته الساخرة تنزل علينا كالصاعقة وهو يقول : يا خسارة الكستر والدجاج والرز آه هيا ، كان هذا الرجل ولا يزال مسكونا بالظرافة والملاحة ومترعا بمفردات تنتشر في الأوساط كانتشار النار في الهشيم أذكر له وهو أنه في إحدى التمارين اشتد النقاش بينه وبين أخينا محمد ساتي زيادة في لعبة حسبت ضربة جزاء ضده ، حاول أن يقنع محمد ساتي بأنه ليس هناك ضربة جزاء ومحمد ساتي يصر على موقفه وطال الجدال بينها وأخذ كل واحد يتمسك بموقفه ، بعد برهة فاجأنا بأنه أخذ الكرة ووضعها تحت إبطه وشرع يعدو نحو الشاطيء والناس خلفه يطاردونه حتى وصل إلى حافة القيف وضرب الكرة بقدمه بكل ما أوتي من قوة وطارت إلى مسافة بعيدة واستقرت وسط تيار النهر الهائج واتجهت نحو الشمال ، وقع أحد الشباب في الماء وشرع يسبح حتى أمسك بها وتوقف اللعب في ذلك اليوم وضاع علينا يوم آخر كما ضاع مع عمنا أحمدون ( رحمه الله ) ولا أنس بأننا كنا نقيم أحيانا مباراة مع فريق لونا المشهور بكرمة .
من الأحداث المشهورة أيضا أننا في مرة من المرات أقمنا مباراة مع أهلنا الكبار ابتهاجا بمناسبة عيد العلم فوق أرض القرير التابعة لساقية عمنا الشيخ أرصد محمد بشير وتداعى إليها أهل الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها واجتمع خلق كثيرة حتى ضاقت الأرض بما رحبت ، نزل فريق أهلنا يقوده عمنا محمد عبد الله نوري ويتبعه كل من عمنا الزبير بشير الطيب ( رحمه الله ) وابن عمنا عثمان عبد الله بلال ( رحمه الله ) ومحمد فرح ( فرحتود ) رحمه الله و عمنا سعيد محمد ناصر( رحمه الله ) وعمنا حمد عبدون عبد السلام ( رحمه الله ) وعبد الحفيظ حاج ( أمد الله في عمره ) ومحمد طمبل فضل طمبل ( أمد الله في عمره ) وآخرون كثر ، امتلأ جوانب الميدان وفوق الجداول العالية بعدد غفير من الجمهور يدفعه الفضول لمشاهدة أعمامنا الكبار ولعبهم ، انطلقت صافرة البداية وأخذوا يطاردون الكرة في مشهد درامي مضحك والجموع الغفيرة تهتف لهم وتشجعهم على الثبات ما بين ضاحك وصائح وموجه وهم يقعون تارة ويتعثرون تارة أخرى ، رأيت عمنا الزبير بشير (رحمه الله ) يطارد الكرة وعمامته يتدلى على ظهره وتكاد تلامس الأرض وعمنا محمد عبد الله نورى وطاقيتة تكاد تطير من على رأسه وهو يحاول اصلاحها جاهدا وأما عمنا سعيد محمد ناصر( رحمه الله ) فكان أخفهم ويبدو أنه كان يلعب في خانة الجناح وينطلق بالكرة بأقصى سرعة لا يلوي على أحد حتى يصطدم بأحد اللاعبين فيقع على الأرض ومبارك كمبيشي يزيد الجو أكثر ضحكا بتعليقاته الظريفة وهو يقول : الكرة مع سعيد ناصرتود ، يمررها لزبير ، وزبير يرسلها طويلة لعثمان كمبي يخفق في تسديدها للمرمى وهكذا .
أخيرا انتهت المباراة بهدفين أو ثلاثة لا أدري كان أحدها من نصيب الفتى صاحب الشعر السبيبي المرجل علي عبد الوهاب عثمان ، كان ذلك يوما رائعا في تاريخ الجزيرة .
ونواصل ....

ود مختار
16-08-2012, 10:54 AM
الحلقة التاسعة والثلاثون
بعد عودتنا من المدرسة كنت أنا وشقيقي عبد الهادي والأخ جمال عيدروس نذهب إلى ساقية الشيخ أرصد محمد بشير (رحمه الله ) نتسلق نخيل ( الكرش بضم الكاف والراء ) التابعة لعمنا الحاج محمد سهولي ( رحمه الله ) ونملأ جيوبنا برطبها المميز حيث لا رقيب ولا حسيب عليها ، أونتسلق شجرة السدر العتيقة القائمة بجوارها إن لم يكن الموسم موسم رطب ، بعد ذلك نقصد شاطيء النهر ونمارس لعبتنا المفضلة ، وهي أن نرمي كتل من الحجارة الضخمة في قاع النهر في مكان عميق ثم نغوص وراءها لنحضرها مرة أخرى ، تستمر اللعبة هكذا لفترة من الزمن بعدها نتفرغ للمذاكرة قليلا ونعود إلى المنزل مع الغروب قبل أن تهبط الظلام ومعنا حزم من القش للبهائم ، بعد صلاة العشاء كنا نستذكر دروسنا على ضوء قنديل صغير صنعه الحلبي محمود وهي ما تسمى ( باللمبه بنيه ) لم تكن هناك رتائن ولا كهرباء غير هذا القنديل أو ضوء القمر ، لم نكد نجد تشجيعا من الأهل على الإجتهاد والمثابرة ، كان لا يهمهم إن نجحنا أو رسبنا ، كانوا لا يحفلون بنا إن ذاكرنا أم أبينا بقدر ما كان يهمهم ألا تبيت العنزات خاوية البطون وألا تترك الأبقار عطشى وألا يخلو البيت من الحطب خاصة في ليالي الشتاء ذات البرد القارص حيث يتحلق أفراد الأسرة حول النار صباح مساء وهم إما يحتسون الشاي أو يأكلون وقد وضعوا على تلك الناربضع قناديل من الذرة الشامية وهي تحدث طقطقات محببة إلى النفس أثناء الشواء ، يتصاعد الدخان الممزوج برائحة الشواء فتفتح النفس .
أتذكر أنه في إحدى المرات بينا نحن نمارس لعبتنا على الشاطيء إذ سمعنا صراخا ينطلق من ناحية المشرع ، هرعنا إلى مصدر الصوت فإذا بعمنا فضل النور ( رحمه الله ) يطلق صرخات الاستغاثة الخاصة عند النساء قائلا : ( ويبيو ووبو ــ ويبيو ووبو ) يطلقها صرخة تلو أخرى والناس ينكبون إلى الشاطيء من كل حدب وصوب ، سألنا الحاضرين ، ما الأمر ؟ أجابنا أحدهم بأن هناك إعتداءا تم على الأراضي المخصصة لاهل الجزيرة بالبرقيق من قبل احد الاشخاص من خارج الجزيرة. إمتلأت المراكب في فترة وجيزة واتجهت صوب البرقيق ، بلغنا المكان ووجدنا أن البنائين ينهمكون في وضع الأساس ، هجمنا عليهم هجمة رجل واحد دون أي مقدمات وشرعنا نخرب ما بنوه وهم ينظرون إلينا في ذهول ، جمعنا كل أدوات البناء من معاول وغيرها ثم عدنا إلى الجزيرة وذلك بعد أن نصبنا أحدا لمراقبة المكان عن كثب ، كان ديدنهم هكذا عند الملمات حتى أصبحوا مثلا يضرب بهم في التعاون والاتحاد ، وكم من مثل هذه المواقف حدثت لهم وهم يحكون عنها في زهو وافتخار ، واحدة منها تلك المعركة الشهيرة التي دارت بينهم وبين فلاليح أرقو في سوق البرقيق في فترة سابقة وانتهت بهزيمة الفلاليح شر هزيمة حيث برزت في ذلك اليوم شجاعة وبطولة عمنا محمد عثمان نصر ( مينكة ) كنت أسمع الناس يسردون تفاصيلها في إعجاب ونحن مستلقين على بقعة الرمل الكائنة أمام منزل عمي علي محمد خير (رحمه الله ) وهو يومذاك بين ظهرانينا يطلق ضحكته المميزة ويذكر الراوي ببعض التفاصيل التي غابت عنه ، كما لا أنس ملحمة استرداد جزيرة (أورنارتي) التي تم الإعتداء عليها هي الأخرى من قبل بعض الغزاة الطامعين من جهة أرقو وكيف أن الناس تعاونوا وجمعوا أمرهم على قلب رجل واحد وعزموا على بذل المهج والأرواح دونها ، وقد سجل لهم التاريخ تلك الواقعة التي مازالت تتناقلها الأجيال كابرا عن كابر.
نعود بكم ياأخوتي مرة أخرى إلى المدرسة والمذاكرة ، فرضت إدارة المدرسة آنذاك على الطلاب رسوم باهظة بمفهوم ذلك الزمن ، كان أهلنا فقراء بسطاء ولم يكن في وسع أغلبهم دفع هذا المبلغ ، ما كان أمامهم إلا أن يبيعوا أعز ما يمتلكون ، قوت يومهم ، أو عجولهم وقلوبهم يتمزق أسى ، في تلك السنة العجفاء عزمنا أنا وشقيقي عبد الهادي والأخوان اسماعيل محمد عثمان ومحمد خير حمد عبدون في أن نمارس مهنة بناء البيوت ، كان عبد الهادي ماهرا في هذه المهنة وكان ثلاثتنا يجهز له الطين وهو يبني ، بنينا بفضل الله عدة بيوت وجنائن وأخيرا تمكنا من توفير مبلغ مقدر من المال وقمنا بتسديدها لإدارة المدرسة دون أن نكلف آباءنا مليما واحدا . جئنا عشية ذلك اليوم أنا وعبد الهادي إلى والدنا (رحمه الله ) وأخبرناه بأننا دفعنا ما علينا من مستحقات وحتى مستحقات أخينا الصغير اسحاق الذي كان في الصف الأول ، كان رحمه الله مستلقيا على سرير مهلهل وسط الحوش ، بعد أن استمع إلينا نهض واعتدل في جلسته وهو يقول بعفوية : (بالله اسحاق القردة داك كمان كانوا فارضين عليه رسوم ) صدقني ضحكت يوم ذاك ضحكا لم اضحكه من بعد ، تسلل الخبر بطريقة ما إلى عمي عبد الحفيظ حاج ( أبقاه الله وأطال عمره ) وصار يحكي لنا هذا الموقف كل ما تجمعني به مناسبة ، لك الله يا أبي كم كنت بسيطا وزاهدا في حطام الدنيا أنت وأمثالك من أهلى الكرام ، لم تغركم الدنيا في يوم من الأيام ، ولم تلهثوا وراء زخرفها وزيتها الزائلة ، إنما كان همكم أن تعيشوا في هدوء وترحلوا من هذه الفانية بهدوء ، وأن تأكلوا لقمة هنية من حلال ما عملت أيديكم الشريفة الطاهرة ، وتنتظروا يومكم الموعود وقد جهزتم له الأكفان منذ فترة ، أين نحن يا أخوتي من مثل هؤلاء الطيبين ؟!
ونواصل...

ود مختار
17-08-2012, 04:42 PM
الحلقة الآربعون
جلسنا لإمتحان الشهادة الإبتدائية والحمد لله نجحنا وتم توزيعنا في مشو ، اسماعيل محمد عثمان في مدرسة الجمهورية ، وعبد الهادي في مدرسة مشو الأميرية ومحمد خير حمد في مدرسة الحفير على ما اعتقد ، وشخصي في مدرسة بركية الثانوية ومعنا عدد كبير من الرفقاء لا يسعني المجال ذكر أسمائهم ، كانت الحياة المدرسية في مشو والحفير وبركية حياة حافلة فيها ما فيها من مواقف ومشاهد وطرائف ومغامرات لا عد لها ولا حصر خاصة حياة الداخلية ، وما أدراك ما حياة الداخلية ، إنها كانت أجمل الأيام على الإطلاق ، كانت شواطيء مشو تكتظ بالطلاب العابرين إلى الجزيرة لقضاء يوم الخميس وطرفا من يوم الجمعة وسط الأهل ومن ثم يعودون أدراجهم في عصر يوم الجمعة إلى الشاطيء لانتظار المركب لتقلهم إلى رحاب مشو بعد أن حملوا معهم ما لذ وطاب من التمر والقرقوش والبسكويت في شنطتين من الصفيح مقرونه في بعضها حيث التمر في جانب والقرقوش في الجانب الآخر، كانت هذه الشنط لا تخلو من السطو من بعض الطلاب الأشقياء اللذين كانوا يتحينون فرصة ذهاب الطلاب إلى الحصة ، كان أحدهم يبيت النية ويأتي إلى الأستاذ مدعيا بأنه مريض ويحرر له الأورنيك المرضى ، لا يذهب إلى العيادة وإنما يأتي إلى الداخلية ويجد الجو خاليا وينتهك حرمات تلك الشنط في غير ما رفق ولين ، وسرعان ما يخرج بعد أن يفعل فعلته ، ويتسكع في مكان قريب ينتظر عودة الطلاب وينضم إليهم مدعيا أنه راجع من العيادة من توه وتجده أول من يلعن ويسب لمن قام بهذه الفعلة وذلك لأبعاد التهمة عن نفسه . كما كان بعض الطلاب البخلاء يظل التمر حبيس شنطته طيلة فترة النهار وعندما يحل الظلام ويتهيأ الطلاب للنوم يمد يده إلى الشنطه كمن يبحث شيئا في الظلام ، يأخد منها بضع تمرات ويضعها بين فكيه ويحاول جاهدا ألا يحدث صوتا ، إن كان التمر من النوع الناشف الذي تعرض للشمس عدة أيام يفضح صاحبه ، ما أن يسمعوا صوت الفرقعة ألا وينقضوا عليه في الحال كما ينقض الأسد على فريسته وهو يصيح حيث لا ينفع الصياح وبعد ذلك يجد شنطته خاوية على عروشها ، لذا كان بعض الطلاب الماكرين يفضل التمر اللين ليأخذ راحته تحت جنح الظلام دون رقيب .
كنا أحيانا نتسلل من الداخلية ليلا لحضور حفل عرس في أقاصي مشو ونعود إلى الداخلية في نفس الليلة دون أن يعلم ضابط الداخلية بذلك ، أيضا كنا نفتعل الأسباب لتعطيل الدراسة تجاوبا مع ما كان يعيشه الناس من واقع مرير، فمرة نظمنا نحن طلاب مدرسة بركية بالتضامن مع كل من مدرسة الجهورية ومدرسة الحفير للخروج بمظاهرة كبرى ، خرجنا نجوب أنحاء مشو من أقصاها إلى أقصاها ونحن نهتف ضد النظام المايوي حيث كانت الأزمة تضرب بأطنابها أنحاء السودان والضائقة المعيشية تأخذ بتلابيب الخلق وهم يومئذ يشربون الشاي بالبلح والأسعار ترتفع يوما بعد يوم ، كان صوت الطلاب هو الصوت الوحيد الذي يملأ الساحة بل وحتى المدارس في البرقيق وكرمة وأرقو خرجت تعبر عن سخطها ما عدا مدرسة واحدة لم تشارك في هذه المسيرات التي انتظمت شرق الجزيرة وغربها ، هذه المدرسة هي مدرسة مشو الأميرية ، كان تحت إدارتها يومذاك رجلين من أساطين التربية والتعليم هما : الأستاذ محمد حاج الأمين مدير المدرسة والأستاذ عباس شيخنتود وكيل المدرسة ، استطاع هذان الرجلان بحكمتهما وإدارتهما الفذة أن يقنعا الطلاب بعدم الخروج والمشاركة في المظاهرات بل وعدوا الطلاب بمنحهم عطلة لمدة أسبوع وذلك تجنبا لما سيصاحب مثل هذه المظاهرات من تخريب ودمار قد يلحق بالمدرسة ، أتذكر أننا جئنا ووقفنا خارج الأسوار نهتف وندعوهم إلى الخروج ، لم نجد منهم أي تجاوب صرنا نرشقهم بالحجارة ونقول لهم: اخرجوا إلينا يا بنات عباس ... اخرجوا إلينا يا بنات عباس ، أخيرا كسرنا الباب الخارجي وولجلنا إلى الداخل واختلط الحابل بالنابل ، رأيت في خضم هذه الأحداث بعض الطلاب يغمس ــ بلا مؤاخذة ـــ حذاءه في الأزيار بينما بعضهم اتجه ناحية المطبخ وآخرون نحو السفرة مشكلين هجوما كاسحا حتى تركوه قاعا صفصفا ، عندما ضاق الحال جاءت الشرطة على ما اعتقد وفرقت المتظاهرين وأغلقت المدارس على إثرها .
أما مدير مدرسة الجمهورية الأستاذ مصطفى سليمان (رحمه الله ) فقد جاء إلى الجزيرة من ليلته ومعه بعض من يرافقه وأخذ يطرق أبواب أولياء الطلاب الذين هم في مدرسته ويخبرهم بما حدث وبما سيحدث لهم وجمع من الطلاب الكتب ورجع إلى مشو ، كان رحمه الله رجلا مهاب الجانب قوي الشكيمه لا تلين له قناة ، كلمته مسموعة عند المسئولين في إدرارات التعليم المختلفة ، المهم قضينا ثلاث سنوات بخيرها وشرها في مشو والحفير وبركية والحق كانت من أروع الأيام التي انسلخت من عمرنا ، نخرج من الجزيرة إلى مشو وما أن يمضي أسبوع أو أقل حتى يعاودنا الحنين إلى جزيرتنا الخضراء ، كنا أحيانا نهرب من الداخلية لنصل إليها برغم القيود الصارمة والرقابة المشددة ، كان بعضنا إذا جاء إلى الشاطيء ولم يجد المركب يخلع ملابسة ويربطها في رأسه بإحكام وينزل النهر ويقطعها سباحة حتى يصل إلى الجانب الآخر ، كان هناك عدد كبير من طلاب جزيرة (بنا ) وكوية والزورات ومناطق المحس لا يقلون عنا في الحنين إلى قراهم ، كونا معهم صداقات حميمة وعشنا ذكريات طيبة وحياة كريمة ، ما زلت أذكر أسماء بعضا منهم وامتدت تلك الأواصر بيننا حتى المرحلة الثانوية العليا وتلك قصة أخرى .
أيضا إجتزنا هذه المرحلة بنجاح حيث تم توزيعنا أنا وعبد الهادي وعبد المحسن صالح في مدرسة الدبة الثانوية العليا وذلك في العام الدراسي 1976ــ 1977والأخ إسماعيل في مدرسة دنقلا الثانوية ومحمد خير حمد في مدرسة كورتي الثانوية ، لأول مرة في هذه المرحلة نبتعد عن ربوع قاشا لعدة شهور وإنه لأول مرة نشعر فيها طعم ونكهة السفر والترحال كمجوعة طلاب إما على ظهور اللواري أو البواخر النيلية .
عندما يحين موعد فتح المدارس كانت حالة من الطواريء تنتظم البيت ، في جهة تعد الخبائز ، وفي جهة أخرى تغسل الملابس وتكوى والجيران يدخلون ويخرجون وألسنتهم تلهج بالدعاء ، هكذا الحركة لا تهدأ حتى يأتي اليوم المرتقب ، في هذا اليوم نزف إلى شاطيء النهر في موكب كبير من الأهل والأحباب يظلون بشاطيء الجزيرة يلوحون إلينا حتى نغيب عن أنظارهم خلف الكثبان الرملية ، نبيت مع الأهل هناك في انتظار مجيء عربات البوستة أو بعض اللوارى والبصات الصاعدة إلى الخرطوم ، كانت تأتينا أزيز محركاتها من أعماق كرمة البلد في وقت السحر والناس ما زالوا في مصلاهم ، كنا نستقل أسطح اللوارى والبصات ونتجه صوب مدينة دنقلا في رحلة شاقة ولكنها محببة إلى النفس حتى نصل إلى دنقلا عند منتصف النهار فنقضي وقتا ممتعا مع الرفاق داخل ردهات مدرسة دنقلا أو نقصد كافتريا ومرطبات سبأ أونقصد سينما قرشي في المساء لمشاهدة فلم هندي ، في اليوم التالي نذهب إلى مكتب تذاكر البواخر النيلية (الثريا ـ الجلاء ـ كربكان ) غالبا ما كانت تتحرك ثاني أيام وصولنا إلى دنقلا ، ما أجمل السفر بالباخرة ونحن مجوعة منسجمة ، أول ما نفعل هو أن نشتري كتشينة بلاستيك من النوع الجيد وضمنه ونتخير الطابق الثالث حيث الهواء الطلق والاستمتاع بمشاهد الأمكنة من العلالي ، نفرش المفارش في هذا الطابق ونشرع في لعب الورق والضمنه في جلبة وضجيج والباخرة تمضي بنا ليل نهار حتى نصل مدينة الدبة في اليوم الثاني عصرا ، رحلة ما أحلاها من رحلة ، ورفقة ما بعدها من رفقة ، وأيام تنضح بكل ما هو جميل ورائع ، أما الطلاب الذين كانوا يستقلون البصات السفرية كانوا يدخلونها عند الثامنة أو التاسعة مساءا ولكن كنا نفضل السفر بالباخرة لما فيها من المتعة والراحة
ونواصل ....

ود مختار
18-08-2012, 09:57 AM
الحلقة الحادية والأربعون
في هذه المرحلة حالت الدراسة بيننا وبين الجزيرة كما تحيل الأيام بين الأم ووليدها ، صرنا لا نأتي إليها إلا لماما في العطلات الكبيرة بعدما كنا نختلف إليها في الأسبوع مرة أو مرتين في سني المرحلة المتوسطة ولكن في هذه المرحلة طالت المسافة بيننا وبينها وامتدت الأيام حتى صارت كأنها سنينا لا نحس فيها طعم الحياة ولا جماله إلا بعد أن نحط في ربوعها الخضراء الوادعة بعد أن نعد الأيام بلياليها لنعود إليها في لهفة وشوق ، في العام الدراسي 75 ــ 76 تم قبولي في مدرسة الدبة الثانوية ومعي شقيقي عبد الهادي مختار وعبد المحسن صالح ، ومعنا إخوة لنا من مشو (الاخ هاشم فضل محمد صالح ، وفيصل الحاج ) ومن بنا ( خليفة محمد أـحمد ) ومن جزيرة موسى نارتي ( محمد سري ) ومن كويا (محمد يوسف محمد ) ومن جزيرة مرواتي (هارون بري ) وغيرهم كثر لا تسعفني الذاكرة ، كانت المدرسة بعيدة نوعا ما عن المدينة ، كانت تقع عند حافة الصحراء أو قل عند نقطة إلتقاء النهر بالصحراء على بضع كيلومترات جنوب المدينة في مبان منعزلة تحيط بها الرمال من كل جانب في واد غير ذي زرع اختيرت بعناية لتكون مقرا للدراسة بعيدا عن المدينة فتبدو للناظر إليها كأنها سجن أو معسكر في وسط صحراء ، لعل الذين اختاروا هذا المكان قد تأثروا بسياسة الإنجليز في اختيار أماكن دور العلم بعيدا عن وسط المدن وهذا ظاهر في اختيار أماكن المدارس الثانوية العريقة آنذاك كمدرسة خورطقت في الجزيرة وحنتوب في كردفان والقوز في كوستي وغيرها لتكون بعيدة عن مناطق العمران ليخلقوا بذلك للطلاب جوا مناسبا للتحصيل والتلقي وإبعادهم عن تأليب عامة الناس ضد النظام ، نجحت هذه السياسة في استقرار التعليم واستطاعت هذه المدارس أن تكسب سمعة طيبة بفضل الرعيل الأول من المعلمين الأفذاذ الذين تربى على أيديهم قادة العمل السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري في أعلى مفاصل الدولة
في هذا المكان القاحل تجمع الطلاب من أماكن عدة ، من ديار المحس والدناقلة والشايقية وأكلوا وشربوا سويا في داخليات لم تكد تخلو من صنوف التسلية وألوان من لعب الورق وشتى أنواع الأنشطة الرياضية إلى إقامة حلقات الصفقة والرقيص التي كانت تشق سكون الليل مساءا ، أقسم أننا كنا لا نرى في النهار إلا طيورا عابرة في عجل كأنها تفر بجلدها من وطأة القحط والحر ولا نسمع بين الفينة والأخرى إلا صوت محرك لوري يئن من خلف الكثبان جاهدا الصعود إلى التلة وهو في طريقة إما هابطا نحو الشمال أو صاعدا نحو الجنوب وبضع شجيرات بائسة عارية الأغصان كما لو أنها غرست بغير عناية ، وجبال سوداء ترفع أكفها إلى السماء وتتضرع إلى الله لينقذها من حر الصحراء اللافح قبل أن يأتي الليل ويلقي عليها رداءه الأسود القاتم ليخفف عنها وتتكرر المشهد ، حولها حجارة سوداء متناثرة هنا وهناك تبدو للناظر من الأعلى كأنها حبات فلفل تذروه الرياح ، يتراءى بحر السراب من بعيد فتتخيله كنهر رقراق جار وعلى حافته تلك الشجيرات والصخور كأنها موانع وقفت تعترض شلال النهر الجارف ، لا نرى أحدا من بني الأنس يمر بهذا المكان إلا نادرا كأنما يتخيل إليه أنها إحدى قرى الجن الموحشة التي تسمع على حافاتها الزجل ، في فترات متباعدة ربما كانت تظهر كالنجم الدهري نساء إعرابيات وهن يقصدن سوق المدينة في طريقهن ، ما أن يراهن أحد الطلاب وهن على بعد كيلو مترات إلا ويرفع صوته عاليا لمعاكستهن يجتمع حينئذ خلق كثير من الطلاب فوق الاسوار وعلى الشبابيك يصدرون صراخا وصفيرا فيما يلوح بعضهم بالأيدى والعمامة حتى تختفين عن الأنظار.
كان يوم الجمعة هو اليوم الأثير لدينا حيث كنا نخرج إلى المدينة في هيئة الخارج من الغابة إما راجلين أو على ظهر الكومر الخاص بالمدرسة ، نأتي إلى الشاطيء ونجلس تحت ظلال أشجار الجميز العتيقة القائمة على الشاطئ ، وندلي أرجلنا في ماء النيل المبارك ونحن نتظر وصول الباخرة التي تحمل البريد من زملائنا لنجد فيها ما يروح عنا من الشوق والحنين ونستمتع بروعة المنظر المطل على النهر ، تقبل علينا الباخرة من بعيد وترسو عند الشاطيء بعد أن تطلق صافرتها المبحوحة التي تشبه صوت الطبل المشروخ ، يعج المكان بالناس والعربات والدواب والباعة المتجولين وعلى الضفة الأخرى مراكب محملة بالبضائع رابضة على امتداد الشاطيء الشرقى أراها كأنها مراكب الكنوز التي كانت تبحر من جزيرتنا تلقاء مدينة دنقلا في أمن وأمان دون أن يكون وراءها ملك يأخذ كل سفينة غصبا ، شريط من قوز الرمال يمتد جنوبا وشمالا تماما كالذي يمتد قبالة الضفة الشرقية لجزيرتنا وأتخيل كأن البرقيق انتقلت إلى هذا المكان ، أشجار السنط القائمة على الضفة هي هي والرمال هي هي والمراكب هي هي والنهر هو هو لا يختلف عنه في شيء ويزيدني يقينا بأن أحدا من سكانها ربما سيظهر من خلف التلة رافعا عقيرته للريس بأن يأتي بالمركب، وما هي إلا ساعات وتفرغ الباخرة بعضا مما في جوفها ، تأخذ وقتا قصيرا بعده تُنزع السلاسل وترفع السقالات وتدور حول نفسها حتى لا تكون المحركات في مجرى التيار ومن ثم توجه جؤجؤها نحو الجنوب منطلقة تشق صفحة الماء كأنها مدينة متحركة بعد أن خلفت وراءها ضوضاء وجلبة من أصوات السيارات والدواب والناس وعلت سحب الغبار وانعقدت في الجو كأنما هي غبار معركة طاحنة بين قبيلتين في زمن غابر .
ونواصل....

ود مختار
19-08-2012, 12:42 PM
ا الحلقة الثانية والأربعون
[right]نتسكع ما بين السوق وهذا المكان الأثير في انتظار مجيء البصات السفرية القادمة إلى الخرطوم حيث كانت تأتي مساءا وتتزود بالماء والوقود ، تعانق أسماعنا من بعيد أزيز المحركات وهي تشق الرمال بعنف يجلس خلف مقودها سائق عابس لا يرحمها فتولول محدثة أصوات محببة يتردد صداها بين الجدران فتهتز لها القلوب وتطير إليها الوجدان وكأني أعرف صاحب هذا البوري الآسر من السائقين وأحفظ إيقاع أنامله من قبل أن يصل المكان ، نتصفح وجوه المسافرين لعلنا نظفر بواحد من أهل قريتنا ، نسأله عن الأهل ، عن الحقول ، عن البقرة هل ولدت أم لا؟ عن من توفي وانتقل إلى الدار الآخرة ، عن من تزوج من شباب الحى ؟ وعن وعن وعن ... حتى يمل السؤال ولا بأس أن نشاركه في ما لذ وطاب من الزاد من قراصة الخميرية وأطايب الرطب والدجاج المحمر وغيرها ، تتحرك البصات بعد برهة وتتحرك معها قلوبنا وهم يلوحون إلينا بأيدهم مع السلامة ... مع السلامة ويختفون عن الأنظار في حواري وأزقة المدينة ومن ثم ينفذون إلى الصحراء المنبسطة أمامهم وكوز المكنة يشق هدأة الليل البهيم وهو يصيح آنق آنق آنق آآآآنق يهدأ عند إستواء الأرض ويضج عند صعود التلال والسائق يضغط على الجاز لايرفع قدمه كأنه يريد أن يفجر غضبه عليه ، أقسم لو أن لي حيلة في عمل المونتاج والدبلجة وما إليها من فنون التقنيات الحديثة لأسمعتكم ما لم أقله .
نأتي مع العشاء إلى المدرسة بخطى متثاقلة ونجدها قد تحولت ساحة رقيص وغناء من كل من جنس ولون ، مجموعة هنا تغني وثانية هناك تمارس لعب الورق وثالثة متحلقة حول راديو تستمع الأخبار بينما آخرون استسلموا لسلطان النوم ، لا تهدأ الحركة إلا في وقت متأخر من الليل ليدخلوا عند الصباح إلى معركة التحصيل والتلقي نظل بين هذا وذاك إلى أن يفتح الله علينا بعطلة نهاية العام الدراسي والسفر وهذا الأخير فيه متعة ومواقف لم تسقط من الذاكرة برغم تقادم الأيام ، أتذكر واحدة منها أنه خرجنا أنا وشقيقي عبد الهادي وعبد المحسن صالح وهاشم فضل على ما اعتقد نحمل أمتعتنا واتجهنا إلى طريق البصات واللواري عند حافة الصحراء في انتظار من يقلنا وهو في طريقه إلى دنقلا ، بعد طول انتظار ظهر لنا من خلف التلال قندران من نوع (فيات ) معب بالجوالات عن آخره ، لوحنا له أيدينا فوقف ، طلبنا منه أن يحملنا معه فوافق ، اعتلينا ظهره على عجل واتجه بنا نحو الشمال حتى إذا ما بلغنا منطقة الخندق عند المساء كاد أن يحدث ما لم نضعه في الحسبان لولا أن من الله علينا من رحمته ولطفه ، كاد السائق ــ ويدعى عبد الرؤوف ــ يجعلنا في خبر كان ، كان من السائقين الذين يعاقرون الخمر ومعه مساعده الذي يدعى رشيد ، لم يكن هذا العبد الرؤوف رؤوفا بنا ولا بالشاحنة ولا الرشيد رشيدا في سلوكه ، خرج بالشاحنة من الطريق الرئيسي أو لعله ضل في متاهات المرتفعات الصخرية التي تعج بها منطقة الخندق ، اعتلى واحدة منها ووصل إلى أن بلغ القمة وكاد أن يسقط بالشاحنة في هاوية لا قرار لها لولا أن صحا فجأة من سكرته وجذب المكابح بسرعة ، نزلنا من على ظهر الشاحنة لننظر فإذا نحن فوق هوة سحيقة ومظلمة ، الله وحده يعلم ماذا كان سيكون مصيرنا لو انقلبت تلك الشاحنة رأسا على عقب نحو الهاوية ، المهم رجع بالشاحنة إلى الخلف ببطء إلى حيث أتى ، ثم سلك الطريق الصحيح بعد ذلك ، بلغنا مشارف مدينة دنقلا وكان لنا أيضا موقف آخر لا يقل خطورة عن سابقه ، يا إلهي !!! فقد دخل هذا الشقي بالشاحنة على عمود يحمل إحدى الكابلات التي تغذي مدينة دنقلا ، آه منك يا عبد الرؤوف ، الله لا يسيئك فقد فعلتها ثانية وكدت تودي بحياتنا ، تتطاير الشرر وهوت الأسلاك المكهربة أرضا وتحولت المدينة على إثرها إلى ظلام دامس ، رأيت الناس يخرجون من دور السنما وهم يسبون ويلعنون بعد أن قطع هذا الحادث عليهم متعة المشاهدة وعكر صفوهم ، هرع رجال الشرطة إلى مكاننا وقادوا السائق إلى مكتب الحركة ، أما نحن فذهبنا إلى إخينا عبد الحميد أحمد وبتنا ليلتنا معه وعند الصباح غادرنا دنقلا إلى جزيرتنا الحبيبة .
ثلاث سنوات نيمم شطرنا نحو الجنوب ونعود لنجد أبي يروح في حقله صباحا ويغدو منه مساءا كما هو، ثلاث سنوات يولد في هذه الجزيرة من يولد ، ثلاث سنوات يتوفى فيها من يتوفي ونحن نشيعه إلى مثواه الأخير في وادى الموتي وننتظره ريثما يتوسد في تربته ، ثلاث سنوات تخضر الحقول وتذبل وتمتليء الضروع وتجف والناس هم من هم ، لم يتغير شيء ، إنما نحن الذين تغيرنا وجرف بنا تيار الغربة ورياح البعد إلى بحار بلا مراسي و أمواج بلا شواطيء حيث جئنا إلى العاصمة ودخلنا في زخمها ولا أنسي ذلك اليوم الذي فارقت فيها قاشا في ضحى ذلك اليوم الخريفي الحزين ، إنها قصة أخرى .
ونواصل...

ود مختار
19-08-2012, 12:44 PM
الحلقة الثالثة والأربعون
عيد بأية حال عدت ياعيد ــــ بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهمو ـــ وليت دونك بيدا دونهم بيد
يا ساقيي أخمر في كؤوسكما ؟ـــ أم في كؤوسكما هم وتسهيد
إذا لقيت كميت اللون صافية ـــ وجدتها وحبيب النفس مفقود
أصخرة أنا ما لي لا تحركني ـــ هذي المدام ولا هذي الأغاريد
إنها إحدى روائع أبو الطيب أحمد بن الحسين (المتنبيء) الذي بث فيها لواعج الشوق والبرحاء في عيد من الأعياد وهو بعيد عن أهله وأحبابه ، ويحاول أن يتسلى بالخمر والنديمين عله يبعد عنه هذه الصبابة الجارفة التي تملك عليه أقطار نفسه ، ولكنه هيهات، فأنى له ذلك ؟ ثم يتحدث حديث النفس بأنه أنما هو إنسان من شعور وأحاسيس وليس صخرة جامدة لا تحركه العواطف ، من منا من لم يحس بما حس به الشاعر؟ خاصة أيام العيد وهو يعاني آلام الغربة في بلاد تموت من بردها الحيتان كما يقول الروائي الكبير الطيب صالح ، ما أروعكما ايها الطيبين وكلاكما عاش تجربة البعد عن البلاد ودفء العشيرة والأهل!
هذه يا إخوتي حلقة استثنائية سأتحدث فيها عن الرمضان وعيد الفطر المبارك ونحن نتنسم عبير تباشيرهما سائلين المولى عز وجل أن يتقبل منا ومنكم الصيام وصالح الأعمال.
كانت للمناسبات الدينية التي تحل على الجزيرة مكانة ما بعدها من مكانة في نفوس الناس بالمقارنة للمناسبات الأخرى ، ما أن تهل تباشير واحدة من تلك المناسبات إلا ويهب الناس كبيرهم وصغيرهم رجالهم ونساؤهم للاستعداد لها والاحتفاء بها ، وقد تواضعوا عليها منذ سنين غابرة وجبلوا على ممارسة طقوسها وشعائرها أزمانا أزمانا وهم لا يختلفون عن غيرهم في ذلك وما يبدونه من فرح وحبور إلا إنها كانت وما تزال عندهم ذات نكهة وطعم ، كانوا يترقبون قدوم شهر رمضان المعظم بفارق الصبر ويعدون الأيام بلياليها ويعدون له ما يلزم من صنوف الطعام وألوان الشراب ، ينطلق الصبيان إلى الزوايا والمساجد ليهيئوها أحسن ما يكون التهيئة من نظافة واستبدال الفرش وصيانة ما اعترى جدرانها من تآكل وشقوق ونحوها ، في اليوم المرتقب لإعلان أول يوم من الشهر الفضيل كانوا ينتظرون في المساء إطلاق دوي البنادق حيث كانت تنطلق واحدة من منزل الشيخ أرصد محمد بشير (رحمه الله ) والأخرى من جهة كرمة من منزل الشيخ محمود أرصد على ما اعتقد يصحب ذلك فرحة عارمة وابتهاج وأصوات ترتفع من هنا وهناك بالتهليل والتكبير وقد تسمع وأنت بجانب النار في الليالي الشاتية أصوات الجارات وهن يهتفن لبعضهن ويتبادلن التهاني والتبريكات والرجال يتلقون التهاني في الزوايا والمساجد وهم ما زالوا في مصلاهم على أن سرور وابتهاج الصبيان لم يكن هو الآخر بأقل من سرور وابتهاج الكبار ليس لأنهم سيكلفون أنفسهم عناء الصيام والقيام وإنما لأنهم سيذهبون إلى الزوايا ويشاركون آباءهم في رفع الأذان وتناول الطعام والشراب وأداء الصلاة والرجوع بالصواني إلى البيت وهم في صحبة إخوانهم الكبار، ولا ينتهي عندهم الأمر إلى هذا الحد وإنما يجهدون أنفسهم ويحملونها على أن يستيقظوا وقت السحر أو يتظاهروا بذلك ليجدوا من يدعوهم للمشاركة في طعام السحور الذي يكون غالبا شعيرية باللبن أو الأرز باللبن واحتساء شراب النشا والأبري الأبيض والقمر الدين ذلك بعد سماع دقات طبل الشيخ محمد فقير (أمد الله في عمره ) إذ كان له صوت آسر تحمله نسائم الليل الهاديء لتعانق آذان الأهل في الجزيرة وكرمه ومشو وأرقو وما جاورها ، كان الشيخ ــ بارك الله له ولذريته ــ يمتطيء ظهر حماره ويجوب مناطق البرقيق والحواشات حتى يصل مشارف أرقو وكرمة والناس يوم ذاك لا يعرفون طبلا غيرذلك الطبل ، أما صغار الصبية كانوا أول ما يستيقظوا من نومهم يتجهون إلى ما تبقى من الشعرية والأرز وقد احتضنوا تلك الحلل ينهشونها نهشا تارة بالمعالق وأخرى بالأيدى وثالثة باللحس حتى تبدوا تلك الأواني أنقى من المرآة وأرق من الماء الصافي الرقراق
تمضي الأيام يوما بعد يوم وتنتظم الجزيرة نوع من السمو الروحي والتجلي وتهب عليهم الفيوضات الرحمانية وهم إما يفترشون ظل النخيل أو يلتمسون ظلال أشجار السنط الوريفة في الشواطيء على أن أمورا منكره كانت تسير جنبا إلى جنب مع هذه الأيام الطيبة حيث كانت مجموعة من الشباب يتخذون واجهات الدكاكين لممارسة لعب الكشكوش(نوع من القمار ) والورق حتى الهزيع الأخير من الليل ثم يزداد ممارسة هذه اللعبة وتأخذ ذروتها عندما تحين بوادر العيد ويكون الشباب في هذه الحال قد انبثوا على امتداد ظلال النخيل نهارا وواجهات الدكاكين والساحات الخالية ليلا بينما يتردد آخرون إلى الخياطين تارة وإلى الحذائين تارة أخرى والنساء في جانب يهيئن الدار ويشرعن في صنع الخبيز والفطائر ، هكذا تدب الحركة في البيت ليلا ونهار والأطفال في شغل عن هؤلاء وأولئك بلعبهم وملابسهم الجديدة وقد انتظروا هذا اليوم وأعدوا له منذ فترة .
تنطلق دوى البنادق مرة آخرى من الجزيرة وكرمه معلنة حلول عيد الفطر المبارك وتنطلق معها حناجر الرجال والنساء والأطفال بالصياح والجلبة وذلك ابتهاجا وفرحة وسرورا، مرة أخرى يناغم من هم من بالخارج من الجيران ـــ وهم يعبرون ــ أهل الدار بالتهاني والتبريكات في تلك الليلة ، في صباح يوم العيد يحمل الناس صواني الشاي والخبيز إلى الزوايا والمساجد يشربون مع بعضهم ويتلقون المعايدة في بهجة وسرور، أما وفي هذا اليوم ستجد العصيدة مكانتها بين الموائد ثم بعد ذلك لن يلتفت إليها أحد لأن القراصة سوف لن تدع لها مجالا للظهور مرة أخرى
ونواصل ...

ود مختار
20-08-2012, 01:09 PM
الحلقة الرابعة والأربعون
ترى في هذا الصباح المشرق الوضاح الكبار والشباب والأطفال أمام واجهات المنازل بملابسهم البيضاء النظيفة وهم في انتظار موكب العيد الكبير الذي ينطلق من أمام منزل السيد الحسن الإدريسي (رحمه الله ) تعانق تكبيرات رجال الموكب الآذان من بعيد يتقدمهم عمنا( سلمنانتود ) حاملا اللواء وقد يعقد له في مثل هذا اليوم من كل عام ، يسلك الموكب الباشندرب ( الشارع الرئيسي ) متجها نحو الجنوب قاصدا مكان أداء شعائر صلاة العيد أمام منزل الشيخ أرصد محمد بشير (رحمه الله ) التكبيرات لا تنقطع والناس يتسللون من خلال الحوارى والأزقة ينضمون إلى الموكب يكتنفونه عن اليمين وعن الشمال والمكبرون في وسطه والناس يسعون بين أيديهم وآخرون يمشون من خلفهم ، وإذا الطبول تدوى ، وإذا النساء يزغردن من كل ناحية ، وإذا الجو يتأرجح بعرف البخور ، وإذا الأصوات ترتفع مهللة ومكبرة ، وإذا هذا الحفل كله يتحرك في بطء وكأنما تتحرك معه الأرض وما عليها من دور حتى يصلوا هناك ، يتخذ الناس أماكنهم في صفوف متراصة وهم في تهليل وتكبير دائمين ريثما يأتي الإمام ويعتلي المنبر ، عندئذ تكف حناجرهم استعدادا لأداة صلاة العيد ، وفي جانب آخر ترى النساء والصبيان وقد اجتمعوا ليشهدوا هذه المراسم في حبور وبهجة ، ترى الشباب والصبيان في هذا اليوم وقد أخذوا معهم عصي وأسواط يضربون بها بعضهم في سرور وجلبة وهم يسألون بعضم : سنه أم فرض ؟ فإذا أجاب صاحبه سنه ضربوه ضربة خفيفة ، وإذا أجاب فرض ضربوه بعنف ، لا يزالون في هذا الحال بينما ينشغل الرجال في أداء الشعائر من صلاة واستماع لخطبة الأمام وتبادل التهاني مع بعض ، يعود الموكب مرة أخرى بذات الأبهة والروعة إلى أمام منزل السيد الحسن الإدريسي ( رحمه الله ) لا ليتفرقوا إلى منازلهم من هناك وإنما ليقيموا حلقة الذكر ، آه ما أجمله من ذكر !! وما أروعها من لحظات !! حيث تنتشي النفوس وتذوب القلوب وجدا في حب الرسول صلى الله عليه وسلم ، يدخل الشيوخ من أمثال على فضل أرباب (رحمه الله ) والخليفة الشيخ طويل وابنه عبد المنعم (رحمهما الله ) وعمنا محمد أحمد دونتود (أمد الله في عمره) وآخرون الحلقة يتهادون في وسطها وعقيرتهم ترتفع بأعذب المدائح من أشعار ابن الفارض والإمام البصيرى وعبد الرحيم اليمنى الكبير يمسكون بأيدي بعضمهم والحلقة حولهم تموج والساحة كلها تتحول بأكملها إلي دوار هائج في عرض البحر ، والزغاريد تنطلق من جنبات الساحة وهم يتفننون في الإتيان بضروب من المديح وألوان من الإنشاد الديني ، وقد انبث في أجسادهم رعدة من التجلي والرجال قاماتهم تنحني تارة وتنتصب أخرى وهم يرددون ( حي قيوم ــ حي قيوم ــ حي قيوم) في إيقاعات متناغمة مع إنشاد الشيوخ وبين الفينة والأخرى تأخذ القوم وخاصة الشيوخ شيء من لواعج الشوق والحماسة تجعلهم يهرولون يمنة ويسرة تصحبهم حركات محببة ، وتراهم أخرى وهم يجثون على الأرض وتجثوا معهم الحلقة كلها ، تتراقص لها أوراق شجرة اللبخ الكبيرة،وتهتز له الجدران والمروق ، في خضم هذا الجو المشحون بالتجلي يرتفع صوت عمنا (سلمناتود) مدويا وهو يقول : (مدييييييييييد مدد ، الله مافي غيرك ) وتشتد الزغاريد وقد ذابت الحلقة في عالم آخر,ويغرق القوم في بحر من السمو الروحي بعده يستفيق الشيوخ ويأخذون هذه المرة في إنشاد آخر أرق وأهدأ من دون ذكر والناس يرددون معهم البيت الأول من النشيد الذي أوله ( الله الله ربنا ـــ الله الله حسبنا ) أو (أهلا وسهلا يا منى ــــ بقدوم طه إمامنا ) أو ( مولاي صلى وسلم ـــ على خير الخلق كلهم ) أو ( مرحبا يا نور عينى مرحبا ـــ مرحبا جد الحسين مرحبا) وهكذا يأخذ الذكر أنواعا من الإيقاع ، منها السريع ومنها الوسط ومنها البطيء وكل إيقاع له حركاته المناسبة من قبل الشيوخ ، يستمر الذكر فترة من الزمن بعده يتفرق الناس إلى موعد آخر من عبق العيد وروعته وهو زيارة الأهل للمعايدة وتقديم التهاني ، ينطلقون في جماعات يجوبون أنحاء الجزيرة من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، ما أجملها من ساعات وخاصة للشباب اللذين حرموا لذة النظر إلى وجوه العذارى، ربات الخدور والصون والعفاف ، كل يمني نفسه بابتسامة من الحبيبة التي كانت قابعة خلف الحصون وها هي ذا اليوم قد بدت في أبهى زيها ، كالقمر في ليلة التمام وقد اتخذ الشباب هذا اليوم ستارا لهذه المآرب البريئة طمعا في اختيار رفيقة الدرب في عش الزوجية في مقبل الأيام ، يظلون على هذا الحال إلى أن ينقضي اليوم ثم يأتي يوم آخر لا يقل ألقا وجمالا من اليوم الأول وهو الذهاب إلى وادي شيخ منور لزيارة القبور ومشاهدة سباق الخيل وركوب اللواري ودخول حلقة الطبال والمشاركة في العرضة وممارسة لعبة (الكشكوش) ، ينكب الناس على الشاطيء وفي أيديهم جريد النخل الطري ، يعبرون النهر ومن ثم يصعدون قوز الرمال العالي متجهين صوب الجنوب إلى أن يصلوا المكان المنشود وهو عبارة عن سهل منبسط يرقد على أطرافها آبائي وأجدادي الموتى في دعة ووقار ، وينتصب في ساحته منزل وحيد منعزل كالسفينة التي ألقت بسلاسلها في عرض البحر، وحوله بئر ماء وشجرة عتيقة تضرب بجزورها في أعماق التاريخ تحكي عن أمجاد عمنا حاج الفكي (رحمه الله ) الذي تولي في فترة زمنية سابقة تجهيز طوب القبور ، كان هذا المكان يزدحم بالناس الوافدين إليها في هذا اليوم من البرقيق وكرمة وآرتقاشا وأرقو ومشو ودمبو وبركية وغيرها من المناطق للمارسة القمار وركوب الخيل والعربات ، كنا نسمع أصحاب العربات وهم يصيحون: ( كرمه النزل ماشي وجاي بخمسة قروش) ونحن نسرع اليهم في لهفة وشوق ، كثيرا ما كان المكان يتحول إلى ساحة صراع بين أفراد أو جماعات وتحدث ما لا يحمد عقباه ، كان أهلي لهم القدح المعلى في مجابهة مثل تلك الإزمات حيث كان الناس يهابونهم لأنهم كانوا كعادتهم يقفون صفا واحدا إذا اشتد الحال وكشرت الحرب عن أنيابها وطارت القلوب وجلا ، يتحولون في تلك اللحظات إلى أسود هائجة في الساحة يجيدون فنون الطعان والضرب حتى يطلق الجبان ساقيه للريح. . كانت هناك مناسبات دينية أخرى كان الناس يحتفون بها منها :ـــاستقبال شهر المولد وليلة الإسراء والمعراج وليلة هجرة الرسول صلى الله علية وسلم ، كانت الزوايا والمساجد تشهد قدوم المداحين الوافدين إلى الجزيرة من مناطق أخرى حيث كانوا يقيمون حلقات الذكر وأصواتهم الندية تنطلق بأجمل المديح بمصاحبة الطار ، كانوا يجدون كل حفاوة وتقدير من الأهل بل والمشاركة من الرجال والشباب وهم يجوبون الحلال يتخذون المساجد والزوايا مكانا للمبيت كما كان يأتي من جهة صعيد مصر جماعة يطلقون عليهم ( الكيجي كيجن جي ) ومن التسمية يتبين أنهم كانوا يحملون معهم آلات موسيقية تشبه الكمان إلي حد ما ويقفون أمام واجهات البيوت يعزفون تلك الآلات بألحان شجية يمدحون الرسول الكريم والأهل يجودون عليهم بما أفاء الله عليهم من الخيرات ، هؤلاء المداحون طريقتهم كانت أشبه بفرق ال (troubadours) في الأدب الغربي في فترة من الزمان ، كانت الجزيرة في ذلك الزمان عامرة بمثل هذه الأجناس التي كانت تفد إليها من مناطق نائية وتأخذ منها ملاذا ومتكأ آمنا ، كان آبائنا وأجدادنا قد فتحوا دورهم وقلوبهم لهم .
ونواصل ....

ود مختار
21-08-2012, 05:44 PM
الحلقة الخامسة والأربعون
لم يغب عن بالي ذلك اليوم الذي فارقت فيه جزيرتي الخضراء (قاشا) وكأن لسان حالها تقول لي : إلى أين توجه ركابك هذه المرة يا بني ؟
فقلت لها والله ما من مسافر ــــ يسير ويدري ما به الله صانع
قالت:إلهي كن لي عليه خليفة ـــ فيا رب ما خابت لديك الودائع[/color]
[COLOR="YellowGreen"]ودعتها بنظرات حزينة مترعة بالأسى ، مشحونة بالعواطف النبيلة وأنا أتمثل قول الشاعر :
مددت إلى التوديع كفاً ضعيفة ــ وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
فلا كان هذا آخر العهد منكمو ـــ ولا كان ذا التوديع آخر زادي
تركتها خلفي وأنا متجه إلى محطة البصات وتعج خاطري بنتف من الأحلام عن الخرطوم ، تلكم المدينة التي طالما كنت أسمع عنها في حلقات السمر، وساحات الأنس ، كيف تبدو هذه المدينة ؟ وما هو شكل الحياة فيها ؟ وهل أهلها يتسمون بالبساطة والتسامح مثلنا ؟ وكيف سأتجاوب مع إيقاع الحياة فيها وأنا ذلكم الفتى القروي القادم من الشمال لاقتحام جامعاتها العريقة
تنحيت جانبا من زحام المودعين وألقيت نظرة إلى موطن الصبا ومرتع الشباب فإذا بي أرى نخيلها الباسقة تلوح لي بجريدها مودعة وإذا الشطآن تكسوها الكآبة وإذا المجالي حولي تخيم عليها سحابة من الحزن والجزيرة بأكملها تبكي بصمت وتنوح بحرقة وأنا أناجيها : أماه هون عليك ، أماه رفقا بنفسك ، ما أنا بأول ابن يفارقك ولا بآخر من يرتحل عن رحابك ، فكم ابن لك حاولت أن تضميه في صدرك وتحتويه بذراعيك ولكنه تفلت منك كما تفلت البعير من عقالها ، لا حيلة لك أن تحيلي ما بين ابنك والقدر ، إنها مشيئة مسطرة في الأزل ، أماه ، ما خلق الإنسان ليستقر في مكان واحد ولا خلق ليكون طوافا سياحا في الآفاق وإنما خلق ليأخذ من هذا وذاك ، ما الدنيا إلا فراق يعقبه لقاء ولقاء يعقبه فراق ، أماه ، كم تنسمت عبيرك العليل ، كم حبوت في ترابك الطاهر ، كم شربت من مائك العذب الزلال ، كم تعلمت منك من الفضائل والقيم ما تقويت به وكم من المثل والمبادئ ما تحصنت به عند الشدائد ، حسبك أن تكوني بين جنبي ، في حلي وترحالي ، في نومي ويقظتي بل في كل خلجة من خلجات نفسي ، يا جزيرة المحار والنخل ، يا جزيرة النوارس والقمر، يا لؤلؤة تبرز وسط النيل ، يا ذات الازقة والحواري القديمة ، وبيوت الطين ومراكب الصيد العتيقة التي تستقبل الشمس كل صباح ، ونوارس الماء التي تصدح بالغناء في رحلة العودة والهجوع ، لن أنسى طفولتي وأخلائي حينما كنا نلهو معا ، نلعب ونختفي خلف النخيل نلاعب الثمر، وعندما نعود في المساء يكون دربنا ظلام ، نطوي الازقة العتيقة لكي نعود باكرا ونحن نحمل حزم القش وسعن اللبن قبل أن يضرب الليل أطنابه في أرجاء البسيطة ، يا واسطة العقد في سلسلة الجزر المتكئة على صفحة النيل ، يا ســــــــــاحل امانينا القديمة وملهمة أغانينا ، موسيقى هدير النيل، نســــــــــــاؤك لسن ككل النساء انهن امـــــــــــهات اللآلي وحفيدات القمر أيا جزيرتي فلتحفظي لي ذكرياتي، وأمسياتي وأنا على موجك سوف ارسم كل ما هو آت ، وتبقين في الذاكرة أغنية للمساء أغنية للصفاء
فيا مهد مهد آبائي ، ومحط طفولتي ، ومرتع صباي ، أنت شعري ، ويراعي ، وقوسي ، وكفي وأسهمي
أنت البلسم الشافي ـــ لأشواقي فهل تدري
فحينا أنت في سري ـــ وطورا أنت في جهري
فهل ألقاك في الأزهار ـــ أم في رونق السحر
وهل في ضحكة الأطفال ـــ أم في نسمة البحر
وهل في رنة الأوتار ـــ أم في طلعة البدر
ألا تدري أنا نبت وأنت ـــ الغيم ذو القطر
أيا لحنا سرى في الكون ــــ منسابا كما العطر
فلن أنسى هوى الماضي ـــ ولن أنسى صبا العمر
صبا أيامي هل أنسى؟!! ـــ وعندي أغلى من تبر
وما أسماه من ماضٍ !! ـــ وما أحلاه من عمر!!
بينا كلانا غارق في التفكير ودمع العين يحجب بيننا ، تسارقني في نظرة وأسارقها فإذا بيد حانية تربت على كتفي استفقت كمن كان في حلم جميل وعالم آخر حتى كدت أنسى نفسى وأنسى أمر السفر ، يد من يا ترى هذه ؟؟!! آه إنها يد أمي التي طالما أطعمتني وسقتني وهدهدتني في مهدي ، إنها يد أول من تعلمت منها معنى الحياة وقيمة الأشياء ، اليد التي غرست بين جنبي مكارم الأخلاق وجميل الصفات وكريم الخلال ، جاءت تودعني وتدعو لي بالسلامة وأنا يومئذ أشد ما أتوق إلى حنانها ودعائها وبركتها وهي تبسط يدها نحو السماء تطلب من الله تعالى أن يحفظ لها ابنها ويكتب له التوفيق في كل خطوة يخطوها ويبعده وأقرانه من شر الأنس والشيطان ، حقا إنها كانت ساعات عصيبة لم تمر في حياتي.
ونواصل ...

ود مختار
21-08-2012, 06:10 PM
الحلقة السادسة والأربعون
أطلقت السيارة صافرتها إيذانا للرحيل ، صعد الناس إلي حيث أكون جماعات وفرادى يودعونني ، لا أعرف من هي أمي ومن هو أبي ومن هي خالتي ومن هي عمتي ومن هو عمي ومن هو خالي ومن هو أخي ومن هي أختي يشهد الله أحساسهم عندي واحد وتفاعل أحدهم مع الموقف لا يقل عن تفاعل أخيه ، تحركت السيارة وتحركت معها قلوب المودعين وهم يلوحون بأيديهم مع السلامة ... مع السلامة ...حتى هبطت السيارة خلف الكثبان وتوارت عن الأنظار في حواري وأزقة مدينة أرقو ، ظلت تتعرج بنا في سيرها ، تارة نحو الشرق وأخرى نحو الغرب لتأخذ المسافرين في طريقها وهي تطلق صافرتها التي تتردد صداها بين الجدران قبل أن تنفذ إلى سهل منبسط ينتهي بها إلى عند شجرات قائمة على ضفاف السليم ، عندها ينزل المسافرون ليتناولوا زادهم المكون من الدجاج المحمر والخميرية والبلح ريثما تأتي العبارة لتقلهم إلى رحاب مدينة دنقلا ،جاءت العبارة وتدافع الناس نحوها راجلين وعلى ظهور الحمير والسيارات حتى امتلأت عن آخرها بالناس والدواب والعربات ، بعد بضع دقائق رست بنا في الضفة الأخرى ، واصلنا المسير دون أن نقف في مدينة دنقلا ، فالسائق على عجلة من أمره ليجتاز رمال الباجا الرهيبة قبل أن يسدل الليل أستاره وتهبط عليه الظلام ، صرنا نقذ السير حتى أدركتنا الشمس عند مشارف رمال الباجا ، ألقيت نظرة من على النافذة فإذا هي رمال صفراء ناعمة منبسطة على مد البصر ، وعلى امتدادها من الناحية الشرقية بيوت متناثرة قد أخذت الرمال برقاب بعضها ، وعلى غربها بعض مضارب البدو الرحل وهي خاوية كأنما تركها أهلها على عجل
وقفت السيارة على حافتها وشرع المساعدون يفرغون الهواء من عجلاتها حتى لا تغرق في الرمال وتتعذر إخراجها ، وجدنا أرتالا من السيارات تنتظر دورها لاجتياز بحر الرمال العظيم ، رأيت المساعدين يجرون على جانبي السيارة والصاجات على أيديهم يرمونها أمام العجلات ثم يأخذونها بعد أن تمر من فوقها ثم يأخذونها مرة أخرى ويرمونها أمام العجلات وهكذا تتكرر العملية والمحركات لا تكف عن الولولة والأنين فيما السائق يوزع شتائمه مرة على الحديد وأخرى على المساعدين وتستمر الحالة إلى أن بلغت الجانب الآخر من الرمال وهو ما يعرف بالتبريد وهو مكان تكدست فيه السيارات التي اجتازت الرمال ، في هذا المكان نزل الركاب ليأخذوا قسطا من الراحة لحين فراغ المساعدين من إعادة ملء العجلات ، استلقيت على ظهري في الرمال الباردة ، السماء فوقي صافية تتلألأ في صفحتها النجوم والقمر يتهادى في رحلته السرمدي نحو الأفق ، رحت في نوم عميق تراءت لي أحلام ورؤى ، كنت أنطق بكلمات من جمل مبعثرة وصور وشخوص تأتي ثم تغيب ، منها أتخيل كأنني..عدت من الحقل وتحت إبطي حزمة من القش .... تلقتني أمي لدى الباب ، أخبرتني بأن هناك عزاء في أقاصي الجزيرة والجثمان مازال مسجي في ناحية من البيت ... بقرتنا الصفراء وضعت في التو مولودا لها ...أرى شقيقي الأصغر إسحاق يحث القطيع على السير ... أطفال يرتدون ثيابا بيضاء وعلى ظهورهم حقائب يعبرون النهر في طريقهم للدراسة ...يأتيني صوت من مكان ما قائلا: متى كان آباؤك وأجدادك يتركون أرضهم ويسيحون ؟... لست من اللذين يترددون على المستشفيات ... اليوم سيبدأ حصاد القمح في أورنارتي ... فيضان هذا العام كان في قمته ولكنه لم يبلغ فيضان سنة 46 حيث ارتمى الرجال وتمددوا بقاماتهم عند فتحة الجسر ليحموا الجزيرة من الغرق ... كان النقاش بعد صلاة الجمعة حول الجمعية التعاونية وتغيير إدارتها ... أين نحن مما وصلت إليه الغرب ... من الذي أعطاه الحق ليتكلم بإسمي ؟ تلك السنة غزت أسراب الجراد الجزيرة بلا هوادة وأتلفت المحصول ... لابد أن أبيع الخروف في سوق البرقيق لأدفع له الرسوم ... مسكين كان يناضل بضراوة حتى آخر رمق...
لكزتني يد قوية استيقظت مذعورا على إثرها لأجد المساعد فوقي يكيل لي اللعنات ويحثني على اللحاق بالسيارة ، عدوت نحوها لا ألوي على شيء ، بلغتها بعد لأيٍ وجهد، لست أدري هل نسيت الطاقية أم وقعت مني أثناء العدو ؟ لا يهم ، انحشرت في مكاني ، الناس حولي ما بين اليقظة والنوم ، يتمايلون يمنة ويسرة كقناديل الذرة التي تحركها الرياح إلا من هزات عنيفة تجعلهم ينتفضون عندما ترتطم رؤوسهم حافة المقاعد الحديدية القاسية
ونواصل

ود مختار
23-08-2012, 12:59 PM
الحلقة السابعة والأربعون
كنت أسمع في مجالس الأنس على لسان من قصدوا الخرطوم يذكرون محطات كانوا يقيلون عندها في عمق الصحراء مثل (القبولاب ) (أم الحسن ) (وادي النعام) (وادي الملح) (التمتام) (قوز أبو ضلوع) كما كنت أسمع حكايات وقصص حول من ابتلعتهم الصحراء في جوفها ، وأخرى حول من نجوا بأعجوبة بعد أن فقدوا الأمل في الحياة ، ولم يغب عن بالي تلك الحوادث المفزعة التي كانوا يرونها وكيف أزهقت فيها أرواح عدد من الناس بسبب وعورة الطريق وطيش بعض السائقين وهم تحت تأثير الخمر حيث كانت تعاطيها مشاعة عندهم ولا يحلو لأحدهم القيادة بدونها ، تذكرت وادي الملح ، لست أدري من الذي ذكرنيه ؟؟ ، سمعت اسمه مرة على لسان ابن أختي جعفر محمد يوسف يذكر : كيف أن الله أنجاهم من حادث وشيك في هذا المكان في السبعينات من القرن الماضي ؟ ، سألت من بجانبي ، أين نحن من وادي الملح ؟ أجابني بكلام مبهم ، عذرته لأنه كان يغالب النعاس ، الأصوات تتنامى إلى سمعي داخل البص ، طفل لا يكف عن البكاء وأمه تحاول جاهدة إسكاته ، امرأة مسنة تعالج القي والغثيان من حين لآخر، تصيبها الإعياء فتضع رأسها بين ذراعي جارتها لعلها تظفر براحة ولكن هيهات !!ّ! وأنى لها الراحة تنتفض المسكينة وهي مذعورة كلما هوت السيارة في حفرة أو ارتطمت بمطب أو نحو ذلك ، أسمع بين الفينة والأخرى أنين مريض يحمله أهله إلى الخرطوم للعلاج ، شباب ألقى بهم حظهم العاثر في آخر المقاعد تقذف بهم السيارة عند الحفر والمطبات فيرتطمون سقفها ثم يسقطون فوق بعضهم البعض في جلبة وضوضاء لا يخلو من أنين مشوب بضحكات تتبعها شتائم ولعنات ، يرفع أحدهم صوته قائلا : السفر قطعة من النار يجاوبه أحد أقرانه : بل النار قطعة من السفر ثم يغرقون جميعهم في الضحك ، أزيز المكنة تصك الأذان وهو امتداد آخر لصوت الطفل ، رائحة الجازولين المحروق تتصاعد مع الغبار وتزكم الأنوف ، صوت طقطقة جنبات البص تكاد تنفصل من شدة المطبات والحفر ، رجل يشعل بين الفينة والأخرى سيجارة كأنما يطفئ بها ضجره وتململه ، الليل نجومه ثابتة كأنها مشدودة بحبال على أوتاد ، تمضي الساعات في تثاقل وبطء ذكرني قول المتنبي :
أعزمي طال هذا الليل فانظر ــ أمنك الصبح يفرق أن يئوبا
كأن الفجر حب مستزارُ ــ ُيراعى من ُدجنته رقيبا
كأن نجومه حَلى عليه ــ وقد حذيت قوائمه الجيوبا
كأن الجو قاسى ما أُقاسي ــ فصار سواده فيه شُحوبا
كأن دُجاه يجذبها سُهادي ــ فليس تغيب إلا أنَِ يغيبا
أقلب فيه أجفاني كأني ــ أُعد بها على الدهر الذنوبا
وما ليلٌ بأطول من نهار ــ يظل بلحظ حُسادي مشُوبا
السيارة تارة تصعد وأخرى تهبط وسائقه عنيد لا ينوم ولا يدع الآخرين ينوموا ، يضغط على أزرار البوري من حين لآخر عندما تلوح له سيارة أخرى من على البعد ، فينطلق الصوت يشق صمت الصحراء يتردد صداه بين الجبال والوديان ، يرتفع صوت قائلا : (إنا قوم منقطع بنا فحدثونا أحاديث نتجمل بها) ، يجاوبه صوت بمديح عذب لم أسمعه من قبل يتجاوب معه الركاب ثم يتنامى صوت آخر من مؤخرة السيارة بأغنية حقيبة قديمة ، وهكذا يتسلى القوم ولكن سرعان ما يهزمهم سلطان النوم فيتمايلون كسابق عهدهم ، المساعد في مكانه المعهود (التندة) يسدل عمامته المتربة حول صدغيه ناظرا أطراف الصحراء المتناهية أمامه كأنه صقر يرمي بطرفه نحو المجهول من قنة الجبل ،ظلت السيارة في هذا البحر المائج الخضم بالرمال وذلك التيه الذي يضل فيه الدليل الحاذق الماهر بمسالك الصحراء ، وقد طمست معالم الأعلام وانمحت الصور، وزالت الآثار ، ولم يبق إلا أن يعتمد الضارب فيها على الشمس أو بعض نجوم السماء ، فضاء فسيح كأنه أمل الأحمق ، وأرض مجدبة كأنها كف الشحيح ، وصخر أصم كأنه قلب اللئيم ، ورمال صفر كأنها بطون الحيات ، إنها أرض من الأحلام وجو من الأوهام ، جفت فيها الحياة وجفتها الحياة ، فلا نبات ، ولا عشب ولا شوك ولا قتاد ، لا يمر بها طير إلا خائفا عابرا ، ولا وحش إلا منطلقا واجفا ، تبدو الكثبان مكدوده تمد رؤوسها إلى السماء كأنها تتضرع طالبة الفرار، جفوة وشقاء ومحول وجمود وقسوة ثم صمت وسكون هو سكون الموت , ووحشة القبور.
.أي معاناة هذه ! وأي ليل طويل مليء بالنصب والشدائد التي لا تنتهي فصولها ، يقضي الركاب ليلا مظلما وثقيلا ، يمد أحدنا عنقه من خلال النافذة لعله يحظى برؤية اسفرار الصبح ثم ما يلبث أن يعود منكفئا على نفسه ويعاود نظر نحو الأفق الشرقي مرات ومرات ومرات ، يستمر في هذا الحال إلى أن يأذن الله له برؤية فلق الصباح وهو ينبثق طاردا الظلمة أمامه كجيش ظافر يلاحق فلول جيش منهزم ، ها قد بدأ الأفق الشرقي يحمر كخد الحسناء ،طفقت الشمس تلوح رويدا رويدا ثم أخذت ترسل أشعتها الذهبية البراقة فوق الرمال الواهنة المجهدة بعد أن طال بها النهار ، واشتد قيظه ، واشتعل هجيره اللواح ، والمعالم التي كانت تبدو كالأشباح في ظلمة الليل البهيم باتت تظهر.... جبال... كثبان ....رمال ... حجارة سوداء مغروسة في الأرض كأنها أوتاد ... أشجار مغبرة كرؤوس الشياطين لا فرق بين لونها ولون الأرض ... إطارات قديمة متناثرة السائقون يهتدون بها أحيانا .... هياكل عظمية لجمال نفقت أثناء سيرها ...مضارب للبدو خاوية على عروشها أصاب أهلها القحط والجفاف فهجروها وأخذت عوامل التعرية تفعل فيها الأفاعيل ، تستمر الرحلة هكذا دون توقف حتى ينتصف النهار ... بحر السراب يلوح للناظر من بعيد وهو يترقرق كأنه بحيرة تهب عليها الرياح فتموج وتضطرب مياها... حرارة الشمس اللافحة تشوى الوجوه ... الرجال يرخون عمائمهم ويجعلونها لثاما على وجوههم يتقون بها حر الهجير ، ذكرني هذا قول المتنبي
ذراني والفلاة بلا دليل ــــ ووجهي والهجير بلا لثام
فإني أستريح بذي وهذا ـــ وأتعب بالإناخة والمقام
وقفت السيارة لبرهة في مكان ما في هذا التيه الذي لا أول له ولا آخر ، تدافع الركاب حول القربة الكبيرة المعلقة على جانب السيارة ليأخذوا جرعات لعلهم يطفئوا بها العطش ، بعدها عاودت المسير ، أين نحن الآن سؤال يتنامى من أحد الركاب ، يرد عليه آخر بأننا على مشارف التمتام ...
ونواصل

ود مختار
24-08-2012, 11:46 AM
الحلقة الثامنة والأربعون
بدأت تلوح مظاهر الحياة ، بضع أغنام تتسلل من بين الشجيرات ، أكواخ من الطين والقش تبدو وهي تقاوم قسوة الصحراء ، أطفال بائسون عليهم ثياب مهترئة يركضون خلف السيارة وهم يصرخون : كرامة ...كرامة ... كرامة ، قذفنا لهم ما تبقى من الزاد ، رأيتهم يتكالبون عليه كما تتكالب الذئاب على فريستها ، أي نوع من الحياة هذه وأي معاناة هذه التي يقاسونها في هذا التيه ! يا إلهي ! إن هذه الأرض لا تنبت إلا الأنبياء كما يقول الطيب صالح ، وصلنا إلى مكان يزدحم فيه الناس والدواب والسيارات الهابطة والصاعدة من وإلى أم درمان ، في جانب مجموعة من الأعراب حول بئر فوقها عودان عليهما بكرة وجمل مشدود على ظهره حبل الدلاء يدفعه رجل لسحب الماء ، حمير تنوء ظهورها بقرب الماء ونساء إعرابيات يتهيأن ركوبها والسير بها نحو أكواخ مبعثرة هنا وهناك ، سألنا عن المكان ، قيل لنا إنه (التمتام ) ، نزلنا في هذا المكان ، شربنا وطعمنا وصلينا كذلك السيارة سقيت بالماء والزيت والجازولين ، لم تكد تمضى ساعات حتى سمعنا صوت البوري ، رأيت المساعد يضغط عليه حاثا الركاب للتوجه إلى السيارة فيما السائق يتربع فوق عنقريب وطئ يرتشف الشاي ، كان آخر من نهض من مكانه واتجه نحو السيارة وصعد ليأخذ مكانه ، اعتدل في جلسته ثم دفع عصا التعشيق إلى الأمام واضعا رجله على الجاز ، أخذ يضغط عليه والمحرك يصدر أنينا متصلا ثم يرخي رجله قليلا فينخفض الأنين ويأتي متقطعا وهو في كل هذا إنما يجرب ليتأكد بأن الأمور على ما يرام ، انطلقت السيارة تشق طريقها تنهب الأرض نهبا ، تبعد القريب وتقرب البعيد ، تارة في أرض صلبة ذات حجارة سوداء وأخرى في رمال متموجة تذروها الرياح .
انقضى النهار جله ولم يظهر في الأفق ما يبشر اقترابنا من مدينة أم درمان ، وهي ما زالت تستعصم بالبعد عنا وتتمنع من لقائنا كما تتمنع العذراء من لقاء حبيبها ، أخرجت رأسي من النافذة لأرى شيئا يبعث التفاؤل والأمل ، لا شيء البتة غير السماء فوقي والأرض تحتي يمتدان إلى ما لا نهاية ليتعانقا عند الأفق ، مرت بخاطري طيف من الماضي وأخذت أسأل نفسي كيف استطاع الدفتردار باشا ذلكم القائد التركي أن يجتاز هذه الصحراء القاحلة ليصل إلى ممالك الغرب البعيدة ويغزوها في عقر دارها ؟ وكيف أنهم قاوموا هذه البيئة القاسية في زمن لم تتوفر فيه وسائل النقل السريعة لحمل الجنود والعتاد ؟ ما زال الطريق يطول بنا ولا ينقطع أثر اللساتك على امتداده ، لاتسمع شيئا إلا عواء الريح وهي تمر على أغصان تلك الشجيرات ومن بعدها أزيز المحرك الذي لا يكف عن الأنين والولولة ، الشمس تنحدر نحو الأفق وتتقطر كالدمعة الحمراء بين سحابتين مخلفة وراءها هالة من الشفق الأحمر القاني كأنها آثار معركة دامية أريقت فيها دماء ملايين البشر ، بدأ النهار يلملم أطرافه استعدادا للرحيل قبل أن يهبط الظلام ويضرب بأطنابه في أرجاء المعمورة لحين بزوغ القمر من خدره ، فجأة سمعت صياحا يأتي من أعلى البص مبشرا الركاب بأن أنوار أم درمان أخذت تلوح في الأفق ، ساد نوع من الهرج والمرج في أوساط الركاب ، سمعت المساعد ينادي على الركاب في غمرة هذه الأحداث ويدعوهم بأن يطلقوا النهيق كما تفعل الحمير ويبدو أنه كان جزءا من أدبيات السائقين والمساعدين يطلبون من الناس ذلك عند اقترابهم من المدينة ، شرع الركاب يهنقون كالحمير وأنا مندهش مما أسمع حتى أن جارى الصامت طوال الرحلة والذي كان يقاوم النعاس رأيته يلكزني بكوعه طالبا مني أن أشارك المهنقين ، لم أهتم به وتظاهرت بأني أغالب النعاس وكلما يسأل أجاوبه بكلمات مبهمة كما كان يفعل معي من قبل ، نظرت من خلال النافذة لاستطلع الأمر فإذا أنوار خافتة بدأت تتكاثف وتقترب رويدا رويدا أو قل نقترب نحن منها ، ها قد وصلنا أخيرا مشارف أم درمان عند التاسعة مساءا ، دخلناها كما يدخل الغزاة الفاتحين في صورة لا تخلو من الصياح والجلبة
ونواصل....

ود مختار
26-08-2012, 08:51 AM
الحلقة الأخير
في لحظة من لحظات التجلي مرت بخاطري شريط من الماضي وأنا اجتاز مدينة أم درمان ، عاد بي إلى دولة المهدية وشمسها التي غربت وما زالت آثارها حية باقية إلى يومنا هذا وكيف أنها كانت ترسل خيولها المطهمة وفرسانها الأشاوس تجاه الشرق والغرب لخوض غمار المعارك في كل من شيكان ، والنخلية ، وتوشكي ، وأم دبيكرات ، ولا أنس جبال كرري التي تشرف على المدينة بشموخها الأسطوري وهي تحكي عن ملاحم وبطولات الأنصار ومعركتهم الشهيرة التي جرت عند سفحها وكيف أن أنهم تلقوا آلة الحرب الرهيبة بصدورهم العارية وضربوا أروع الأمثال في الشجاعة والثبات ، حتى قال ونستون تشرشل قولته المشهورة في كتابه حرب النهر (لم نهزمهم وإنما أبدناهم) ، تذكرت الطابية التي تقف بكبرياء وعزة وعند طرفها الآخر جزيرة توتي الساحرة وهي تصحو كل صباح باكرا كعادتها وتفرك عينيها من رهق الحياة وتنظر إلى الطوابي قبالتها لتستعيد نشاطها وحيويتها من جديد ، تذكرت الأحياء العريقة ، بيت المال ، الملازمين ، العرضة ، أب روف ، ود البنا ، ود نوباوي ، بانت ، المسالمة ، حي العرب ، الهاشماب ، ، الأزهري ، ود أرو ، عشرات الأحياء والمعالم ، تذكرت مسجد الخليفة العتيق وضريح الإمام المهدي ، ذلكم البطل الذي دوخ المستعمرين الطغاة ، وأنشأ دولة حرة مستقلة في حمى الوطن العربي وفي قلب القارة الأفريقية في حين كانت الدول الأخرى ترسف تحت الاحتلال فاختلج فؤادي ، وهاجت بلابلي وطافت بوجهي سحابة حزن غائمة .
لأول مرة يا إخوتي تلامس عجلات البص الشارع المعبد ، ولأول مرة أرى أعمدة الكهرباء معلقة عليها قناديل تضيء الطريق ، لأول مرة أرى السيارات بهذه الكثرة ، بعضها منطلقة في الطرقات وبعضها واقفة أمام البيوت والمحال التجارية ، أسمع ضوضاءا وجلبة لا تنقطع ، الناس تموج في الأسواق والمحطات كما أن الشوارع هي الأخرى تعج بالرائحين والغادين ، أينما تتجه بصرك يبهرك الأنوار البيضاء والحمراء والصفراء ، أما المنازل فهي تقف في صفوف منتظمة بعضها ذات طوابق وبعضها الآخر من غير طوابق والناس عليهم ثياب نظيفة ، يرتدون جلاليب بيضاء ، بناطلين وقمصان أنيقة وهم يتدافعون نحو سيارات النقل ، طائرات تقوم وطائرات تهبط ، قطار تأتى واخرى تغادر ، بواخر راسية على الشطآن ، ساحات وحدائق خضراء ذات بهجة تسر الناظرين ، ملاه وكازينوهات ، كباري منصوبة على ظهر النيل ، إنه عالم مليء بالمتناقضات والعجائب رأيت فيها ما لم يخطر على بالي .
غادرت المحطة بصحبة أخي الأكبر بلال مختار ونحن في طريقنا إلى مدينة بحري كان يسألني عن الأهل والجيران وأخبار البلد وعن السفر وأهواله حتى وصلنا إلى حي الختمية حيث السكن والمقام ، في اليوم الثاني خرجنا لزيارة الأهل وفي المساء ذهبنا إلى السينما ، في اليوم الثالث زرنا حديقة الحيوان والمتحف القومي وفي المساء ذهبنا إلى النادي الخاص بأبناء البلد وهكذا أخذت البرامج تتوالى يوما هنا وآخر هناك إلى أن فتحت الجامعات أبوابها ، انتظمت في الدراسة فيها حيث قضيت أربع سنوات في ردهاتها ، نهلت فيها ما نهلت من أنواع المعرفة والعلوم ما مكنني من أن أشق طريقي إلى الأمام ، وكان فضل الله علي عظيما حيث رزقني بأشرف مهنة وهي مهنة التدريس في التعليم العالي والبحث العلمي أستاذا جامعيا وصرت أتقلب في المناصب القيادية العليا إلى أن بلغت منصب عميد كلية الآداب في واحدة من الجامعات ، وكانت فرصة أتاحت لي أن أجوب أقاصي الأرض لأحضر المؤتمرات والندوات ، لكن في المقابل افتقدت هنا ما كنت أنعم بها من حياة الدعة وخفض العيش في قريتي الوادعة ، حيث الهدوء والراحة والطمأنينة ، لم أجد الساحات وضوء القمر ، ولا الحكاوي والسمر ، ولا مكاني الأثير عند النهر، ولا ثغاء الشاة ، ولا خوار البقر ، ولا النخيل وظلالها الوريفة ، ولا طيبة الناس وبساطتهم وحبهم وعطفهم ، ولا صياح الديكة ، ولا شقشقة العصافير، ولم أشم عبير طلع النخل ، ولا رائحة روث البهائم ، ولا أريج الليمون التي تحملها النسيم عليلا بليلا ، ولم تعانق أذناي أصوات السواقي وخرير الماء المتدفق ، ولا تصايح تربال عند الحقول ، بل وجدتهم يركضون على غير هدى ، ليت شعري لو عرفت وراء ماذا يركضون ؟؟!! غابت عنهم كل معاني الرجولة والشهامة ، كل مشغول بنفسه لا يلتفت إلى صاحبه حتى لو كان يحتضر في قارعة الطريق إلا من رحم ربي ، حتى القمر والنجوم التي كانت تنير لي الطريق وأستمد منها معاني الخير والبركة واليمن ما عدت أراها إلا لماما فقد زاحمتها أنوار المدينة الزائفة ، نعم عشت فيها ــ ولا أزال ــ حياة ليست لها طعم ولا لون ولا رائحة وأنا فيها غريب الوجه واليد واللسان ، افتقدت فيها حب الجار للجار ، ومودة العشير للعشير ، ومواساة الغني للفقير ، وتواصل الصحيح للمريض ، كل يريد أن يخلع ثوب الآخر مما هو فيه من الطمع والجشع ، كل شيء فيها بثمن حتى قضاء الحاجة ــ أكرمكم الله ــ من ليس له مال لا يساوي جناح بعوضة ، خلت نفسي كريشة ألقت بها الرياح في بحر هائج مضطرب تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال آآآه يا إلهي !! أين أنا مما كنت فيه ! ، كنت أتنقل من بيت إلى بيت ومن مغنى إلى مغنى حرا طليقا كما العصفور يتنقل من غصن إلى غصن ، وأطوف الحلال والقرى كما تطوف الفراشة مكامن الأزهار ، كل بيت أجد فيها مأكلي ومشربي ، وكل مكان أحل عليها أكون ما بين بخ ويا مرحي به ، أقضي أيامي ها هنا وأنا كاره متبرم بها كأنني معتقل ولكن في سجن مفتوح ، أقسم لولا ارتباطي بالعلم والعمل لما أنفقت يوما واحدا من عمري هنا ، أتيت إليها وأنا أضع في حسباني بأني ما أن أقضي فيها سني دراستي حتى أعود إلى قريتي فرحان جزلا لكن لسر يعلمه الله قد امتدت بي السنون ، وطالت بي الحقب حتى ابتلعتني في خضمها فقد طوقتني ــ من حيث لا أدري ــ بطوق من حرير ناعم ، وظلت تطبق إحكامها حول عنقي ، وتنسج لي الأحلام بما تحب وترضى ، وتلون لي الحياة بما تريد وتشتهي ، وتريني من وجهها ألف وجه ووجه حتى إذا ما اطمأنت نفسي إليها قلبت إلي ظهر المجن ، واتجهت إلى غيري فظلت تغويه تارة بالدلال وأخرى بالخفر والغنج حتى توقعه في شباكها ثم تتركه ، وهكذا أحوال المدن ، تغير طباع الناس وتبدلها ( ومن ذا الذي يا عز لا يتغير؟؟) .
قضيت إحدى وثلاثين عاما في رحاب الخرطوم ــ وما زلت ــ لم يغب عن بالي معالم جزيرتي وطيبة أهلي ، إحدى وثلاثون عاما لم تخبُ جذوة الشوق بين أضلعي ، تذكرتها وأنا على ضفاف البسفور في تركيا عندما رأيت الخضرة والقوارب ، رأيتها وهي تتلألأ جمالا بين إحدى جزر الأرخبيل المتناثرة في المحيط الهندي ، استعدت ذكرياتها وأنا على شاطيء الأطلسي وقبالتي جزر الكناري بحسنها وبهائها ، عانقني طيفها في ردهات قصر سيف الدولة بن حمدان في حلب ، أينما أحط رحالي تجدني أسامر طيفها ، وحيثما أحل أعانق خيالها ولكن كل هذه الأمكنة ــ في نظري ــ لا تعدل ساعة واحدة من الساعات التي قضيت في رحابها ، ولا نسمة من نسماتها التي هبت علي ، تباً لهذه المدن المجنونة المضطربة ، وتبا لهذه النزل المعلبة التي تكتم الأنفاس بضجيجها وضوضائها التي لا تهدأ ليل نهار ، تبا ثم تبا لهذه العمارات الشاهقة التي تسد ضوء الشمس عنا ، والآن ها أنذا سجين في ضاحية الحاج يوسف ، وتلك قصة أخرى سآتي إليها في مقبل الأيام ، كل يوم اشرأب ببصري إلى هناك إلى ما وراء الأفق لعلي أجد من يحمل لي البريد لأشم فيها رائحتها وعبقها ، كل يوم يرتحل فؤادي إليها ، في كل ليلة تعانق طيفها أحلامي ، إلى متى يا إلهي سأظل هنا ، إلى متى ؟! هل لي من عودة إليها؟!! ، أنا في انتظار ما يخبؤه لي القدر.
تمت الحلقات ، الحمد الله الذي تتم بنعمته صالح الأعمال .
أقول في نهاية هذه الحلقات أن عملي هذا ما هو إلا جهد المقل ، فإن عمل الإنسان أبدا في حاجة إلي الإصلاح وأنه ما من أحد يصغر عن أن ُينقد كما أنه ما من أحد يكبر عن أن يُنقد ، فما نحن إلا بشر تجري علينا سنة الحياة في خلقه ، فيثبت منا القلم أو يزل ويحضر منا الفهم أو يغيب ، ويصاحبنا التوفيق أو يجانبنا فنرجو من الله تعالى أن يجنبا الزلل ويعصمنا من فتنة القول وشر العمل حتى نصل إلى مبلغ غايتنا في خدمة وطننا الكبير وقرانا الصغيرة التي نشأنا وترعرعنا في ربوعها .
لكم عظيم شكري وامتناني على حسن المتابعة وختاما تقبلوا خالص شكري وتقديري

ود مختار
29-08-2012, 10:33 AM
والله ما كنت أحسب أن أبلغ نهاية هذه الحلقات دون أن أجد أي تعليق سواء كانت ملاحظة ، أو إضافة ، لم أجد إلا من ثلاثة أشخاص من منتدى بهذا الحجم ، والله بصراحة حسيت بأني غريب بين أهلي وناسي ، وبقيت أغرد في دوحة ليست دوحتي ، وفي واد موحش لا تسمع فيها إلا ركزا ، كنتم تجودون علينا بالقراءة ولكنكم بخلتم علينا ولو بقليل من مداد أقلامكم ، ما على إلا أن أقول وداعا منتديات دنقلا الأصالة على الرغم من أن جعبتي ما زالت ملأى بالكثير المثير الخطر ، سأنشرها في ساحات أخرى، وشكرا لإستضافتكم لى في (منتداكم )