اخر الاخبار
الكتاب المدرسي غياب بالمدارس .. حضور في الأسواق !!         ترامب يهدد روحاني بعواقب لم يواجهها إلا قلة عبر التاريخ         “الزراعة” تتعهد بحل مشاكل الموسم الصيفي         السلطات الامنية تلقي القبض على 4 شخصيات بينهم اعلامي بتهمة إختطاف شاب         المؤتمر الشعبي : “إبراهيم أحمد عمر” له دور كبير في إيقاف إجازة قوانين بالبرلمان         علماء: مليار طن من الماس في باطن الأرض         محكمة تنظر في طلب طفلة بفسخ عقد زواجها         الموت يغيِّب فاطمة عبدالمحمود عن عمر ناهز 74 عاماً         اشتباكات بين قوات مشار والجيش الحكومي بواو         القبض على المشتبه بهم في اغتيال عمدة بنيالا         علماء السودان تطالب بحسم الفساد         حسبو: الدولة ماضية في حل المشاكل الاقتصادية         وفد أمريكي يقدم خدمات طبية و”كشفية” بولاية الخرطوم         وزيرة التربية: نسعى لرفع نسبة التعليم الفني         اشتباكات بين الحكومة والمعارضة في جنوب السودان        

طبقيات … محمد فضل طبق

img
مقالات 0 admin
ياااا دنيا  هوووووي
.
           أمام باب الدار من جهته الجنوبية , شمخت نخلة باسقة , و تفخّذ جزعها زير سبيل سلسبيل و قد حشر مؤخرته بين ( الأساسق ) ـ صغار الشتول ـ التى تورّم من كثافتها عجز النخلة فبدا شبه ( كوشي ) KUOSHEA اي أكمة ذات اكمام كثيفة ـ يصعب رؤية  هيئة الزير السبيل الا لمن يعرف مكان وجوده من قبل , حيث إنتصب مائلا قليلا ناحية الطريق ,  و قد غار ربعه الأسفل فى باطن الأرض .
و فى الجوار عنقريب قديم تقطّع كرّابه و تدلت حباله , و ( تفجفج ) ـ أي لصق ـ بحباله المهترئة نواشف ( الكروم دفيّ ) ـ KAROM DIFFEA و اشكال ملونة من بقايا الطير , و مخرجات هضمها  فمنحت سطح حبال النسج  المتبقية منظرا و كأنها رسمة رومانسية  ذات ألوان مختلفة, و خرائط متداخلة ـ فقط تفتقد ( سهم الشمال ) فلا يعرف لها اتجاه , أو امكانية فهم و متابعة ..
جاء الرجل يتهادي ـ على غير عادته ـ  و غير زمان عودته قبل المغيب بقليل , فألقى بجسده المنهك  على العنقريب آنف الذكر , و توسد يديه فوق ديوه ( ديو العنقريب )  DIYO و مدد ظهره التى احدثت فقرات سلسلته الفقارية اصوات احتكاك تزامنت مع صوت انين احتكاك ارجل العنقريب غير الثابتة مع ديوه و جقده  JIQID صريرا فأتت الأصوات كموسيقى بعض قبائل  إفريقيا الغابية .
نشد الرجل قليلا من الراحة. بعد أن اعيته المشاغل و الرهق فى ذلك اليوم دون غيرها من الأيام . فألقى ضجرا ما كان بيديه من عدد و أدوات , و بعض لفافات بها بذور ( الجكود دسّيي )  JAKOD  DEASSEA ـ الملوخية و الرجلة و ( أوقد )  OUQOD ـ ملاح الورق فتلك خضروات موسـم الصيف التى لم يك مزارع حصيف متمكن يدفع فلسا واحدا فى السوق يشتريها و فى عينيه ماء دمع ـ بل كانت كل مستلزمات بيته  من الخضروات هو و جيرانه و المعسرين ممن فقدوا ابناءهم أو ازواجهم الذين ارتحلوا الى الدار الآخرة يتعاطونها من أطراف مزرعته  من غير منّ و لا أذى ( فى ذلك الزمن الوضيء النبيل الذى يوصف الآن بــالزمن الجميل ) .
ألقى بأثقاله تلك خلف ( تودق ) باب الحوش ـ  TUODDI و هو عمود طيني بطول الباب يسنده  و يتكيء عليه من الداخل .
و ( تودّق ) آخر هنالك خلف باب الأسمون  OUSSMOUN ( مجلس النساء ) توضع فوقه بعض الأشياء الصغيرة كلمبة الإضاءة اليدوية ( اللمبة بنيّة أو الفانوس ) و بعض علب الزيت الكركار و خلافها و هى بمثابة ( كبودينة غرف النوم الحديثة ) .
آآآه , تذكر الرجل حشرة الأرضة اللعينة .
تحركت شفاهه ببعض كلمات من سباب لاعنا حاله فى تلك الفجاج المنسية من خارطة الدنيا ـ على حد زعمه , فقام  متثاقلا , و وضع الكردق ـ  KARIDDI , و هو مكنسة ارض الزراعة ـ فى حالة اتكاءة , راسه الحديدى على الأرض و مقبضه الخشبي على الجدار و الطورية على زاوية التدّق مرتكزة على الجزء الحديدى منها أيضا و رفع المنجل و الكودن شبر ـ KOUDEAN  SHIPIR ـ قفة التراب ـ فوق سطح القسيبة ـ QOUSSEABA  ـ اي مستودعات البقول و البذور ـ ذات الغطاء الصاج الحديدي المكين ( دوكة قديمة ) , حتى لا تجد حشرة الأرضة سبيلا لمقابض هذه الأدوات الخشبية فتبيدها عن آخرها فى ليلة واحدة .
جىء له بكباية شاى سادة تسبح فيها 3 أوراق نعناع غضة و نضرة الخضرة , و قد قاربت الشمس على المغيب أكثر…
بعض الصغار يتصارخون و يلعبون داخل الدار , يعبثون بكل شيء ثم لا يلبث صخبهم و ضجيجهم أن يتخافت رويدا رويدا وفق حركتهم السريعة ما بين الداخل و الخارج .. ثم يتدافعون مرة اخرى كعصابات الجن الى داخل الدار بطريقة غير مرتبة و لا متقنة , تتعالى ضحكاتهم , إنهم مزعجون حقا , و لكن نظرات عيونهم تلك البريئة تضفى على المكان و الزمان رونقا من حنان غريب و متعة نفسية لا تقدر بثمن .
حدّق الرجل فى عمق كباية الشاى التى أمامه و كأنه ينظر الى شيء ما داخلها أو عبرها , و سرح مع تلك النظرة بخياله الى فضاءات اللا نهاية ..
تذكر إبنه البكر الذى غادرهم الى بلاد الغربة منذ سنين عددا.. لا أحد يستطيع مهما امتلك من جميل الحروف و دروب الكلام و مفاصل الحكمة أن يقنع الرجل بأن إبنه بخير و أن أموره أكثر من عادية , كان يحس بأن جللا ما يقعد إبنه هناك كل تلك السنين و إلا لما غاب هكذا , و لما تركهم لقسوة الأيام بهذه الجفوة الوحشية , هكذا كان يرى الأمر .
كان لسان حاله يسألأ : ما لشباب هذا الزمان البغيض يفعلون كل هذا بأهليهم و ذويهم ؟ ما هي أسرار تلك الغربة اللعينة ؟؟!! , و مع كل سؤال يمر بخاطره تتكالب عليه الآهات فى جوفه تحرقه و تؤلمه فيحتملها دون ان تظهر آثارها على وجهة المتهالك من الرهق حتى لا يدرك أحد أو يحس بما يعانيه فيفتح على نفسه أبوابا من تساؤلات و بالأخص زوجته ز رفيقة دربه المفعمة بالحنية , أو حتى الجيران الذين لا تخطيء احاسيسهم أو تتغاضى عما يجرى بينهم و حولهم .. ..
ابنهم المتغرب هذا لم ينقطع عنهم و لم يقصر معهم فى نواحي الحياة المادية و رسائله تأتى كرسائل الغير حينا بعد حين , و لكن هذا الأب المكلوم يريده هو و ليست امواله و لا اتصالاته الأثيرية , نعم يريده بلحمه و شحمه , يتمنى أن يرى إبنه أمام ناظريه يمشى و يقوم و يجلس , يتحرق اليه شوقا كي يسكت شجنه و يملأ عينيه من النظر إليه , يلمسه و يفرك شعر رأسه, يلتذ بسماع صوته , يريد أن يفرح بعرسه , أو حتى بحضوره أيام إجازاته كما يفعل غيره من الشباب .
دخول الهاتف الثابت او السيار فى مجال التواصل و سماع صوته شبه اليومى لم يقنعه أيضا و لم ينقص من وساوسه شيئا , يخيل إليه أن الذى يحادثه ربما يكون شخصا آخر غير إبنه , و ذلك من فرط شكه فيما يدور حوله من متناقضات كثيرة و غريبة لم يألفها فى حياته البسيطة الهانئة من قبل , و دهشته من طول غياب إبنه غير المبرر من وجهة نظره .
و زوجته الحاجة بتول تختلس النظر إليه إختلاسا من مقعدها هناك من على برش ( التكروبة ) TOUKOUROBA بين الفينة و الأخرى و هى تخيط ما اهترأ من فستانها الوحيد … تحس بقلقه .
تعرف مقدار شجنه و وجعه .
تشفق عليه من ثقل حزنه , و همه .
لا تستطيع أن تكلمه فى هذا الشأن , فهو لا يرضى أن يسأله احد عما يضيق به صدره الا بعد مرور زمن هى تعرف متى يكون و متى يتقبل الكلام , فقلة الحيث ديدنه , و الصمت عنوانه ..
هى الأخرى قلقة على إبنها البكر الذى لم تفرح بمجيئه و لا بعرس زواجه , نزلت من عينيها دمعتان , احست بحرارتها فوق خديها , مسحتهما بسرعة كمن يهش على ذبابة أقلقته .. او كالتى تخاف ان يرى دمعة عينيها احد .
الحاج ( تر ان شاى أروفوسـّو ) ـ TEAR  EAN SHAI  OUROUFOUSSO يا حاج , الشاي سيبرد !!!
ـ نعم لقد برد الشاى فى كأسه … لم يرد عليها , أخرج إحدى يديه اللتين توسدهما من قبل و ألقى بها فوق وركه لمّا شعر بها من خدر قليل , و تابع التحديق فى كباية الشاى , و بعد لحظات كان قد غط فى نوم عميق .
سمعت زوجته شخيره المباغت فعلمت أن فى الأمر شيئا تجهله , فرجوعه فى غير موعد عودته , وعلى غير عادته المعتادة , ثم صمته المطبق فهو حتى لم يسلم عليها , تركه للشاي الذى يحبه حتى أبترد , نومه و شخيره فى مثل ذاك الوقت المكروه و الذى لم يألفه, كل تلك الأمور لم تحدث منه قبلا  …
رفعت وجهها و يديها الى السماء تسأل الله أن يلهمهما الصبر و أن يعيد إليهما وليدهما قبل أن تأخذهما الدنيا فى قطارها المتسارع , ثم قامت وهى ترتكز على يديها , فأحدثت مفاصل ساقيها و كفيها قرقعة كادت توقظ الرجل , مشت الى الداخل تجر رجليها جرا , أتت ( بتوب الكرب ) ـ KIRIP خاصتها , و نشرته فوقه بكل رفق و حنية بالغة تغطيه من جيوش الذباب و لسان حالها يقول : لقد شقينا بغياب ولدنا يا رب , فعده الينا برحمتك يا ارحم الراحمين ..

عندما خرج من بيته صباحا , و قد دخله فى ظلمة الليل بعظ اغتراب دام سنوات ..
وقف بعيد باب الحوش بخطوات قليلة يجول بنظره و خاطره و فكره و ذاكرته فى أرجاء المكان .
الطيور تتقافز بين أشجار النخيل تارة و تتساقط كدفّيق النخل يوم صرصر عات ـ على الأرض تلتقط أشياء لا ترى ثم تطير , و تعيد الكرّة مرات و مرات .
خوار و ثغاء , و نهيق , و صياح دجاج أربكها قفز قط المنزل من فوق السور .
و صياح أطفال لم تغسل وجوههم بعد يتجارون فى ردهة البيت ، ثم تسمع أصواتا من خارج الدار مرة و من داخله أخرى .
بدت الشمس تشق عباب الظلمة , نسى وجهته , عصر ذاكرته , نظرا مليا الى الفضاء الممتد إلى ما لا نهاية , تذكر بعضا من شبابه و عنفوانه , مر كشريط الفديو سريعا أمام ناظريه , أشفق على نفسه عندما ملأت الدموع مقلتيه فتراقصت الصورأمام ناظريه , فركهما بكمّ ثوبه ، ثم دلف داخلا الى داره يجر رجليه اللتين زادتا انتفاخا من ورم الزلالى ..

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

اترك رداً