طبقيات … محمد فضل طبق

ياااا دنيا  هوووووي
.
           أمام باب الدار من جهته الجنوبية , شمخت نخلة باسقة , و تفخّذ جزعها زير سبيل سلسبيل و قد حشر مؤخرته بين ( الأساسق ) ـ صغار الشتول ـ التى تورّم من كثافتها عجز النخلة فبدا شبه ( كوشي ) KUOSHEA اي أكمة ذات اكمام كثيفة ـ يصعب رؤية  هيئة الزير السبيل الا لمن يعرف مكان وجوده من قبل , حيث إنتصب مائلا قليلا ناحية الطريق ,  و قد غار ربعه الأسفل فى باطن الأرض .
و فى الجوار عنقريب قديم تقطّع كرّابه و تدلت حباله , و ( تفجفج ) ـ أي لصق ـ بحباله المهترئة نواشف ( الكروم دفيّ ) ـ KAROM DIFFEA و اشكال ملونة من بقايا الطير , و مخرجات هضمها  فمنحت سطح حبال النسج  المتبقية منظرا و كأنها رسمة رومانسية  ذات ألوان مختلفة, و خرائط متداخلة ـ فقط تفتقد ( سهم الشمال ) فلا يعرف لها اتجاه , أو امكانية فهم و متابعة ..
جاء الرجل يتهادي ـ على غير عادته ـ  و غير زمان عودته قبل المغيب بقليل , فألقى بجسده المنهك  على العنقريب آنف الذكر , و توسد يديه فوق ديوه ( ديو العنقريب )  DIYO و مدد ظهره التى احدثت فقرات سلسلته الفقارية اصوات احتكاك تزامنت مع صوت انين احتكاك ارجل العنقريب غير الثابتة مع ديوه و جقده  JIQID صريرا فأتت الأصوات كموسيقى بعض قبائل  إفريقيا الغابية .
نشد الرجل قليلا من الراحة. بعد أن اعيته المشاغل و الرهق فى ذلك اليوم دون غيرها من الأيام . فألقى ضجرا ما كان بيديه من عدد و أدوات , و بعض لفافات بها بذور ( الجكود دسّيي )  JAKOD  DEASSEA ـ الملوخية و الرجلة و ( أوقد )  OUQOD ـ ملاح الورق فتلك خضروات موسـم الصيف التى لم يك مزارع حصيف متمكن يدفع فلسا واحدا فى السوق يشتريها و فى عينيه ماء دمع ـ بل كانت كل مستلزمات بيته  من الخضروات هو و جيرانه و المعسرين ممن فقدوا ابناءهم أو ازواجهم الذين ارتحلوا الى الدار الآخرة يتعاطونها من أطراف مزرعته  من غير منّ و لا أذى ( فى ذلك الزمن الوضيء النبيل الذى يوصف الآن بــالزمن الجميل ) .
ألقى بأثقاله تلك خلف ( تودق ) باب الحوش ـ  TUODDI و هو عمود طيني بطول الباب يسنده  و يتكيء عليه من الداخل .
و ( تودّق ) آخر هنالك خلف باب الأسمون  OUSSMOUN ( مجلس النساء ) توضع فوقه بعض الأشياء الصغيرة كلمبة الإضاءة اليدوية ( اللمبة بنيّة أو الفانوس ) و بعض علب الزيت الكركار و خلافها و هى بمثابة ( كبودينة غرف النوم الحديثة ) .
آآآه , تذكر الرجل حشرة الأرضة اللعينة .
تحركت شفاهه ببعض كلمات من سباب لاعنا حاله فى تلك الفجاج المنسية من خارطة الدنيا ـ على حد زعمه , فقام  متثاقلا , و وضع الكردق ـ  KARIDDI , و هو مكنسة ارض الزراعة ـ فى حالة اتكاءة , راسه الحديدى على الأرض و مقبضه الخشبي على الجدار و الطورية على زاوية التدّق مرتكزة على الجزء الحديدى منها أيضا و رفع المنجل و الكودن شبر ـ KOUDEAN  SHIPIR ـ قفة التراب ـ فوق سطح القسيبة ـ QOUSSEABA  ـ اي مستودعات البقول و البذور ـ ذات الغطاء الصاج الحديدي المكين ( دوكة قديمة ) , حتى لا تجد حشرة الأرضة سبيلا لمقابض هذه الأدوات الخشبية فتبيدها عن آخرها فى ليلة واحدة .
جىء له بكباية شاى سادة تسبح فيها 3 أوراق نعناع غضة و نضرة الخضرة , و قد قاربت الشمس على المغيب أكثر…
بعض الصغار يتصارخون و يلعبون داخل الدار , يعبثون بكل شيء ثم لا يلبث صخبهم و ضجيجهم أن يتخافت رويدا رويدا وفق حركتهم السريعة ما بين الداخل و الخارج .. ثم يتدافعون مرة اخرى كعصابات الجن الى داخل الدار بطريقة غير مرتبة و لا متقنة , تتعالى ضحكاتهم , إنهم مزعجون حقا , و لكن نظرات عيونهم تلك البريئة تضفى على المكان و الزمان رونقا من حنان غريب و متعة نفسية لا تقدر بثمن .
حدّق الرجل فى عمق كباية الشاى التى أمامه و كأنه ينظر الى شيء ما داخلها أو عبرها , و سرح مع تلك النظرة بخياله الى فضاءات اللا نهاية ..
تذكر إبنه البكر الذى غادرهم الى بلاد الغربة منذ سنين عددا.. لا أحد يستطيع مهما امتلك من جميل الحروف و دروب الكلام و مفاصل الحكمة أن يقنع الرجل بأن إبنه بخير و أن أموره أكثر من عادية , كان يحس بأن جللا ما يقعد إبنه هناك كل تلك السنين و إلا لما غاب هكذا , و لما تركهم لقسوة الأيام بهذه الجفوة الوحشية , هكذا كان يرى الأمر .
كان لسان حاله يسألأ : ما لشباب هذا الزمان البغيض يفعلون كل هذا بأهليهم و ذويهم ؟ ما هي أسرار تلك الغربة اللعينة ؟؟!! , و مع كل سؤال يمر بخاطره تتكالب عليه الآهات فى جوفه تحرقه و تؤلمه فيحتملها دون ان تظهر آثارها على وجهة المتهالك من الرهق حتى لا يدرك أحد أو يحس بما يعانيه فيفتح على نفسه أبوابا من تساؤلات و بالأخص زوجته ز رفيقة دربه المفعمة بالحنية , أو حتى الجيران الذين لا تخطيء احاسيسهم أو تتغاضى عما يجرى بينهم و حولهم .. ..
ابنهم المتغرب هذا لم ينقطع عنهم و لم يقصر معهم فى نواحي الحياة المادية و رسائله تأتى كرسائل الغير حينا بعد حين , و لكن هذا الأب المكلوم يريده هو و ليست امواله و لا اتصالاته الأثيرية , نعم يريده بلحمه و شحمه , يتمنى أن يرى إبنه أمام ناظريه يمشى و يقوم و يجلس , يتحرق اليه شوقا كي يسكت شجنه و يملأ عينيه من النظر إليه , يلمسه و يفرك شعر رأسه, يلتذ بسماع صوته , يريد أن يفرح بعرسه , أو حتى بحضوره أيام إجازاته كما يفعل غيره من الشباب .
دخول الهاتف الثابت او السيار فى مجال التواصل و سماع صوته شبه اليومى لم يقنعه أيضا و لم ينقص من وساوسه شيئا , يخيل إليه أن الذى يحادثه ربما يكون شخصا آخر غير إبنه , و ذلك من فرط شكه فيما يدور حوله من متناقضات كثيرة و غريبة لم يألفها فى حياته البسيطة الهانئة من قبل , و دهشته من طول غياب إبنه غير المبرر من وجهة نظره .
و زوجته الحاجة بتول تختلس النظر إليه إختلاسا من مقعدها هناك من على برش ( التكروبة ) TOUKOUROBA بين الفينة و الأخرى و هى تخيط ما اهترأ من فستانها الوحيد … تحس بقلقه .
تعرف مقدار شجنه و وجعه .
تشفق عليه من ثقل حزنه , و همه .
لا تستطيع أن تكلمه فى هذا الشأن , فهو لا يرضى أن يسأله احد عما يضيق به صدره الا بعد مرور زمن هى تعرف متى يكون و متى يتقبل الكلام , فقلة الحيث ديدنه , و الصمت عنوانه ..
هى الأخرى قلقة على إبنها البكر الذى لم تفرح بمجيئه و لا بعرس زواجه , نزلت من عينيها دمعتان , احست بحرارتها فوق خديها , مسحتهما بسرعة كمن يهش على ذبابة أقلقته .. او كالتى تخاف ان يرى دمعة عينيها احد .
الحاج ( تر ان شاى أروفوسـّو ) ـ TEAR  EAN SHAI  OUROUFOUSSO يا حاج , الشاي سيبرد !!!
ـ نعم لقد برد الشاى فى كأسه … لم يرد عليها , أخرج إحدى يديه اللتين توسدهما من قبل و ألقى بها فوق وركه لمّا شعر بها من خدر قليل , و تابع التحديق فى كباية الشاى , و بعد لحظات كان قد غط فى نوم عميق .
سمعت زوجته شخيره المباغت فعلمت أن فى الأمر شيئا تجهله , فرجوعه فى غير موعد عودته , وعلى غير عادته المعتادة , ثم صمته المطبق فهو حتى لم يسلم عليها , تركه للشاي الذى يحبه حتى أبترد , نومه و شخيره فى مثل ذاك الوقت المكروه و الذى لم يألفه, كل تلك الأمور لم تحدث منه قبلا  …
رفعت وجهها و يديها الى السماء تسأل الله أن يلهمهما الصبر و أن يعيد إليهما وليدهما قبل أن تأخذهما الدنيا فى قطارها المتسارع , ثم قامت وهى ترتكز على يديها , فأحدثت مفاصل ساقيها و كفيها قرقعة كادت توقظ الرجل , مشت الى الداخل تجر رجليها جرا , أتت ( بتوب الكرب ) ـ KIRIP خاصتها , و نشرته فوقه بكل رفق و حنية بالغة تغطيه من جيوش الذباب و لسان حالها يقول : لقد شقينا بغياب ولدنا يا رب , فعده الينا برحمتك يا ارحم الراحمين ..

عندما خرج من بيته صباحا , و قد دخله فى ظلمة الليل بعظ اغتراب دام سنوات ..
وقف بعيد باب الحوش بخطوات قليلة يجول بنظره و خاطره و فكره و ذاكرته فى أرجاء المكان .
الطيور تتقافز بين أشجار النخيل تارة و تتساقط كدفّيق النخل يوم صرصر عات ـ على الأرض تلتقط أشياء لا ترى ثم تطير , و تعيد الكرّة مرات و مرات .
خوار و ثغاء , و نهيق , و صياح دجاج أربكها قفز قط المنزل من فوق السور .
و صياح أطفال لم تغسل وجوههم بعد يتجارون فى ردهة البيت ، ثم تسمع أصواتا من خارج الدار مرة و من داخله أخرى .
بدت الشمس تشق عباب الظلمة , نسى وجهته , عصر ذاكرته , نظرا مليا الى الفضاء الممتد إلى ما لا نهاية , تذكر بعضا من شبابه و عنفوانه , مر كشريط الفديو سريعا أمام ناظريه , أشفق على نفسه عندما ملأت الدموع مقلتيه فتراقصت الصورأمام ناظريه , فركهما بكمّ ثوبه ، ثم دلف داخلا الى داره يجر رجليه اللتين زادتا انتفاخا من ورم الزلالى ..
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق